أيوب أحمد هادي
بينما كانت آمال أبناء تهامة تعانق السماء مع انطلاق الاستراتيجية الوطنية لتوطين صناعة الألبان في عام 2023، متطلعين ليوم يتحررون فيه من ذل استيراد "البودرة" التي تستنزف مليارات الدولارات، تطل علينا اليوم قرارات مالية "ارتجالية" تبدو في ظاهرها ترشيداً للإنفاق، وفي باطنها "رصاصة رحمة" تُطلق على قلب الإنتاج المحلي في تهامة.
قصة نجاح يُراد لها أن تفشل
بدأت الحكاية بـ 16 ألف لتر فقط، وبفضل رؤية سياسية دعمت المزارع التهامي بـ 130 ريالاً كدعم لكل لتر، قفز الإنتاج في عام 2024 ليحقق زيادة مذهلة بلغت 100 ألف لتر يومياً. كانت تهامة تتحول إلى خلية نحل؛ أسر فقيرة تشتري الأبقار، ومستثمرون يستصلحون الأراضي. ومربين يتوسعون في بناء حضائرهم لكن هذا المشهد "الوطني" الخالص لم يرق لجهاتٍ ما، فبدأت رحلة التراجع بقرارات خفض الدعم.
الأرقام لا تكذب.. ولكنها تصرخ!
عندما خُفض الدعم لأول مرة بمقدار 50 ريالاً، تلقى المشروع "لطمة" قوية، ظهرت آثارها في بيانات عام 2025؛ فبدلاً من مواصلة القفزات، انكمش معدل النمو ليحقق زيادة هزيلة قدرها 37 ألف لتر فقط. واليوم، يأتي قرار وزير المالية الأخير بخفض 20 ريالاً إضافية ليصبح الدعم 60 ريالاً، ليكون بمثابة "الضربة القاضية".
كيف يمكن لعقل اقتصادي أن يستوعب خفض الدعم عن المنتج المحلي الطازج الذي يغطي 5% فقط من احتياجنا، في حين يترك الحبل على الغارب لمستوردي "البودرة" الذين يسيطرون على 95% من السوق؟ أين هي العدالة الاقتصادية عندما يُصرف 1.15 مليار دولار (أكثر من 289 مليار ريال يمني) لاستيراد الحليب الخارجي، بينما تستكثر وزارة المالية مبلغاً لا يتجاوز 6% من هذه الفاتورة لدعم المزارع التهامي الصامد؟
تهامة.. من "سلة الغذاء" إلى "مقبرة الأحلام"
خلف هذه الأرقام والنسب المئوية، توجد مآسٍ إنسانية. هناك أسرة في "الزهرة" أو "باجل" أو "المراوعة" وفي كل مديرية في تهامة كانت تعيش على ثمن لترات الحليب، واليوم تجد نفسها عاجزة حتى عن شراء "النخالة" التي تضاعف سعرها من 3,000 إلى 6,000 ريال.
القرار الأخير لوزارة المالية كان "سكيناً" يدفعّ المزارع لبيع إناث أبقارة لتذبح على أيدي الجزارين، وهو إعلان رسمي للمستثمرين بأن أموالكم في خطر، وأن الهجرة هي الحل.
تساؤل مشروع.. لمن نمهد الطريق؟
عندما تتنصل وزارة المالية من وعودها (توفير الأعلاف، رفع جمارك البودرة، وقف تصدير النخالة)، ثم تُتبع ذلك بخفض الدعم المالي، فإنها لا توازن الميزانية، بل هي وبشكل غير مباشر تفرش السجاد الأحمر لمنتجات الخارج لتستمر في غزو موائدنا.
إننا أمام مفترق طرق خطير؛ إما الانتصار لاستراتيجية "توطين الألبان" وإعادة الدعم كاملاً (130 ريالاً) مع خطة حماية جمركية صارمة، أو الاستمرار في هذه القرارات الذي سيجعلنا نعود لنقطة الصفر، لنظل رهائن لعلب البودرة العابرة للحدود.
الكرة الآن في ملعب رئاسة المجلس السياسي الأعلى.. فهل يتم إنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن تجف ضروع الأبقار في تهامة إلى الأبد؟