خاص - النقار
تترسّخ لدى جماعة أنصار الله رؤيةُ صنعاء بشكل خاص، ومناطق سيطرتها بشكل عام، باعتبارها غنيمةً سياسية، وتتشكل علاقة حكم الدولة عندها على قاعدة الاستحواذ وتسييل الموارد، وتتقدّم في خطاب الجماعة نزعةٌ استعلائية ترتب المجتمع على سلّم ولاءات وتصنيفات عنصرية تضع البنية التنظيمية للجماعة في مركز الامتياز، فتغدو البلاد مجالًا للتصرّف ومسرحا للعبث وتثبيت غلبتهم وسطوتهم.
نشاهد اليوم أن مؤسسات الدولة وإيراداتها تحولت إلى خزان نفوذ لجماعة أنصارالله، وتُساق الإيرادات عبر قنوات سرية تُغذّي الشبكات الداخلية للحوثيين وتوسّع دوائر سيطرتهم فقط، ويظهر ذلك في بنية الإدارة اليومية، وفي توسّع الأسواق العشوائية داخل الشوارع، وفي التعامل مع المجال العام بوصفه مساحةَ منفعةٍ مباشرة فقط، وتبرز ملامح هذا المسار، كمثال، في العبث بجامع المشهد التاريخي في صنعاء وتدمير سوره لصالح محلات القات، بما يعكس حضورًا كثيفا لمنطق الربح على حساب حرمة التاريخ والذاكرة العمرانية.
تتخذ الدولة عند الحوثيين في هذا التصور هيئةً تنظيمية متماسكة داخل الجماعة، ويتقدّم الجهاز الأمني بوصفه مركز الثقل في إدارة المجتمع، إذ تتراجع معايير الكفاءة لصالح معايير الانتماء، وتترسّخ طبقة امتيازات تتغذّى من القرب التنظيمي والعرقي، وكمثال واضح على ترسيخ فكرة الطبقية في المجتمع هو تحويل موظفي الدولة الى ثلاث فئات (أ - ب - ج) وهي فضحية ستلاحق الجماعة بوصفها وصمة عار لا إنجاز سياسي.
ينتج عن هذا المسار، كما نرى جميعا، حكمٌ يقوم على مركزية الجماعة، وتغليب الجباية، وتقديم الأمن بوصفه أداة إدارةٍ وقمع، وتضييق المجال السياسي وتحويله إلى واجهات شكلية، تتعطل فيها مقومات العدالة المؤسسية التي تقوم على قضاءٍ نافذ وعادل، وحوكمةٍ شفافة، ومساواةٍ في الحقوق والواجبات، واستقرارٍ اقتصادي يردّ الاعتبار للمرتبات والعمل والتنمية.
تصل صنعاء اليوم إلى لحظة ضيقٍ عام، بعد سنواتٍ طويلة من إدارةٍ أثقلت الناس بالجباية والتعبئة والتمييز، وعمّقت الفجوة بين السلطة والمجتمع، ويتنامى في وجدان الناس توقٌ واضح إلى عدالةٍ تحمي الحقوق وتساوي بين المواطنين وتردّ الاعتبار للمال العام وللمؤسسة والقانون. يكشف عقدٌ كامل من التجربة عجزا متراكما عن بناء هذه العدالة في الواقع، فتتعاظم الحاجة إلى مسارٍ يعيد للدولة معناها الجامع، ويمنح صنعاء كرامتها، ويضع الحكم في موضع الأمانة لا الامتياز.