خاص - النقار
أن يموت معلم داخل فصل دراسي ليس أمرا عابرا، بل هو شهادة دامغة على أن المعلم اليمني يعيش في ظل سلطة حولته إلى حالة يرثى لها، بين فقر مدقع وضغوط نفسية قاتلة، حتى صار الموت المفاجئ أهون من حياة تُسلب فيها الكرامة يوماً بعد يوم.
وما حادثة وفاة الأستاذ يوسف محمد جبارة، وكيل مدرسة الوحدة في مديرية الزهرة بمحافظة الحديدة، بسكتة قلبية مفاجئة داخل الفصل الدراسي، سوى صورة دامية تختصر حال المدرسين الذين أُنهكوا حتى الموت في عهد سلطة لا تعرف قدرا للمعلم ولا للتعليم.
سقط مغشياً عليه وهو يراجع الدروس مع طلابه استعداداً للاختبارات، في الوقت الذي يتربع وزير مالية صنعاء ومن خلفه السلطة الطاغية على عرش القرار العنصري في تقسيم الموظفين إلى ثلاث فئات حُجز للمدرسين والتربويين الخانة الأخيرة فيه.
مشهد يوجع القلب ويكشف حجم البؤس الذي يعيشه المعلمون. فجبارة كان مدرجاً ضمن ما يسمى بـ"قوائم الفائض – الفئة ج"، وهو تصنيف ابتكرته سلطة صنعاء (الحوثي) عبر وزير ماليتها الاستراتيجي عبد الجبار الجرموزي، ليحرم المدرس من مستحقاته المالية، حتى من نصف الراتب الذي يُصرف أحياناً. هذا الحرمان هو خنق بطيئ للمعلم، وآلة موت صامتة تدفعهم إلى مواجهة ضغوط نفسية هائلة تنتهي بموتهم المفاجئ وسط طلابهم أو بجنونهم المفاجئ أيضا، أو بأية طريقة تُنهى بها حياتهم.
لم تفلح محاولات إسعافه، فغادر الحياة تاركاً وراءه طلاباً مذهولين وزملاء غارقين في الحزن، بينما بقي السؤال المرير: كيف يُترك المعلم ليواجه وحده ضغوطاً نفسية ومالية قاتلة؟
ليست الحادثة هي الأولى؛ بل الثانية خلال أقل من أسبوعين. فموت المعلمين أصبح نتيجة طبيعية لسياسات الإقصاء والتهميش. وجبارة ليس وحده الذي حصدته يد الموت الجرموزية (الحوثية) بلا مبالاة، من خلال جعلها له ضمن فئة المغضوب عليهم، وهم غالبية موظفي الدولة من تربويين وعسكريين وأمنيين، بل سيستمر مسلسل القتل الذي تمارسه تلك اليد بكل إمعان وصلف وكأنها لا تفعل شيئا سوى أن الموت قضاء وقدر مثلما أن الفئة (ج) قضاء وقدر.