• الساعة الآن 01:46 AM
  • 11℃ صنعاء, اليمن
  • 11℃ صنعاء, اليمن

محمد العلائي يكتب: أنا ونصف الثورة.. رحلة في الحذر والشك

محمد العلائي يكتب:  أنا ونصف الثورة.. رحلة في الحذر والشك


محمد العلائي

كلمة "ثورة" من الكلمات الكُبرى التي أرهبتني في الماضي، وأوقعت في نفسي توتّر مزدوج؛ معرفي وأخلاقي.
وقد مضى وقت لا بأس به قبل أن أتخلص من سطوة ثقيلة كانت تشوش حواسي وتضعف من قدرتي على الحُكم. 
مع انطلاق ما سُمي بـ "الربيع العربي" في 2011م، قفزت هذه الكلمة إلى الواجهة، وبشكل مفاجىء، بعد مرور نصف قرن على الثورة الأم المؤسسة للجمهورية في اليمن، والتي ترسخ في الأذهان أنها أول التاريخ وخاتم الثورات، 
فحين يقال الثورة، بألف ولام التعريف، كان يُفهم على الفور أن المقصود ثورة 26 سبتمبر العظيمة،
ولم يكن من المتوقع -نفسياً- أن يأتي حدث آخر في اليمن ينازعها الاسم والرمزية وهالة التوقير والإجلال المستقرة في النفوس.
لكن ذلك الاسم، بكل ما راكمه من مهابة وسلطة، تم إنزاله من مكانه العالي وإلصاقه بحدث تاريخي جديد ومباشر، حدث كان يثير في نفسي، على الأقل، شيء من الحذر وعدم اليقين والكَدَر العقلي، لأسباب كنت أعجز عن شرحها بوضوح.
وتصاعد الحديث بلا انقطاع عن الثورة، وجرى تصويرها كفعل فاضل في ذاته ولذاته، ومن ثمّ لا يحق لأحد أن يقيّمه ويحكم عليه بالنظر إلى أيّ شيء آخر، وإنما يجب أن يُحمَد لمجرد وقوعه!
كان عليّ الانتظار حتى أرى بعض مخاوفي تتحقق تدريجياً.
وخلال زمن الإنتظار كنت بحاجة إلى فكرة عاجلة مهدئة تُصلح بيني وبين موقفي المرتاب.
في يناير 2011م، كتبت مقالاً بعنوان "أنا خائن لكل هذا الجنون"، وفي الأسبوع الذي يليه كتبت مقالاً آخر بعنوان "وحيد القرن" تراجعت فيه، بانكسار ماكر، عن موقفي السابق. 
والعنوان له قصة لا يتسع المجال لذكرها.

كان كل من حولي تقريباً عالق تحت تأثير حكم مسبق وغبي مفاده أن الكاتب والصحفي يجب أن يكون ثورياً في كل الأحوال ودون أي تحفّظ، فإذا سمع داعي الثورة لباه أياً يكن مصدره، وإلا سيكون محروماً من المكانة والاعتبار.
فذهبت أبحث في قراءاتي، بلا وعي تقريباً، عن إشارات تعطي قلقي وارتيابي ما ينقصه من الشرعية الأخلاقية والمنطقية للوقوف بثبات في وجه الجائحة الثورية.
أذكر أني قرأت، في ذلك الوقت، أن الكاتب والشاعر الألماني جوته لم يكن صديقاً للثورة الفرنسية التي حدثت في زمنه، لأن أهوالها كانت عاجلة جداً بينما آثارها النافعة لم تكن منظورة، حسب قوله.
ثم قرأت عن موقف الكاتب الروسي دستويفسكي الكاشف للبنية النفسية والعقلية للثوريين في زمانه، قبل وقوع الثورة البلشفية بربع قرن على الأقل، لا سيما في روايته "الشياطين"، وقد كانت أطروحته فيها، بحسب تعليق ألبير كامو، هي كالتالي: الدروب التي تودي بالفرد إلى الجريمة، هي نفسها التي تودي بالمجتمع إلى الثورة.
وفهمتُ من ذلك أن افتقار جوته ودوستويفسكي مثلاً لليقين الثوري لم يحجب عنهما التكريم والاعتبار والخلود الذي يستحقانه.
اطمأنت نفسي بهذه العزاءات الصغيرة الساذجة، وتحررتُ من داخلي قليلاً. 
كان نصفي ثورياً ونصفي الآخر محافظاً، إذا صح التعبير، أو كما قال البردوني: 
فيغتلي في داخلي كربلا 
نِصْفِي حُسينيٌّ ونصفي يزيدْ
ثم وبشكل عابر صادفتني، في ذلك الحين، عبارة لكاتب إيطالي كبير -إمبرتو إيكو- يقول فيها أن على المثقف أن لا يكون بوقاً لأي شيء بما في ذلك الثورة. 
ورغم بساطة المقولة، حين أستعيدها بوعيي اليوم، إلا أنها ظلت محفورة في ذاكرتي، ففي ذلك الوقت بدت وكأنها يد حانية امتدت من خلف الستار لملاطفتي ومواساتي. 
وشيئاً فشيئا بدأت أوسع المسافة النقدية بيني وبين الأحداث.

حينها لم أكن أعرف إلا القليل فقط عن أفكار أفلاطون وأرسطو وتوما الأكويني وميكافيلي وجان بودان وسبينوزا وهوبز وجون لوك. 
وكنت أعرف أقل من ذلك عن الآراء الناضجة الحكيمة لأساطين وفقهاء الفكر السياسي العربي الإسلامي التقليدي أمثال الجاحظ والماوردي والجويني وابن حزم وابن خلدون وابن تيمية وابن جماعة وأبي حامد الغزالي وغيرهم. 
والفلاسفة أمثال الفارابي وابن سينا وابن رشد.
ولم أكن قد عرفت الكثير عن فلسفة كانط وهيجل وماركس، ولا قرأت عبارة تولستوي الساخرة التي يقول فيها أن أحد أهم حوافز الثورة هو الشعور الذي يدفع الأطفال إلى كسر ألعابهم: الميل إلى التدمير.
مع إني لا أوافق على أن أهم حافز في كل الثورات التدمير، فلكل ثورة سياق وحكم مختلف.
وبينما كان البعض يعبّر عن خوفه من أن تفشل الثورة، كان خوفي يرى ما هو أسوأ وأقرب إلى التحقق: 
فشل الدولة، تحلل وسقوط الكيان، وإعادة تمكين الوحوش والآفات القديمة!

شارك المقال: