خاص-النقار
يأتي الثاني عشر من ربيع الأول ليس كيوم ولا كمناسبة دينية وإنما كموسم تنتظره جماعة أنصار الله الحوثيين بفارغ الصبر واستعدت له منذ بداية العام الهجري، وتحديدا عند أول خطاب لقائد الجماعة بمناسبة رأس السنة الهجرية، وقوله لجماعته استعدوا للموسم. فيستعدون على أحسن وجه: جبايات على أعلى مستوى، ورسوما وسندات وتبرعات ومساهمات وكل ما يمكن تخيله من حيل وعمليات ابتزاز وسطو. كل هذا من أجل أن يحتفوا بالمولد النبوي. وهكذا تتحول مناسبة المولد النبوي الشريف في مناطق سيطرة الحوثيين إلى موسم لفرض الجبايات القسرية على مختاف القطاعات التجارية والصناعية، فضلا عن التجار وأصحاب المحال التجارية وحتى أصحاب البقالات في الحارات. الكل عليه أن يدفع وأن يُغرق كل شيء من حوله باللون الأخضر، بحيث تتحول صنعاء وبقية المدن والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة إلى ما يشبه مقبرة كبيرة مطلية باللون الأخضر.
فالمناسبة التي يفترض أن تكون ذكرى دينية، تحولت إلى ما يشبه الموسم المالي المفتوح، حيث تتوزع الأدوار بين المنافذ الجمركية ومكاتب السجل التجاري والأشغال والسلطات المحلية وهيئة الزكاة ومشرفي الأحياء. الجميع يعمل بتناغم يحسدون عليه، لكن ليس لإحياء المناسبة، وإنما لإحياء ماكينة التحصيل.
وبحسب تجار وأصحاب محلات، لم تعد "مساهمة المولد" مبلغاً واحداً يدفعونه، بل سلسلة من الإتاوات المتلاحقة التي تلاحقه في كل معاملة "حكومية" وكل نشاط تجاري، حتى ينعكس عبؤها في النهاية على أسعار السلع والخدمات التي يتحملها المواطن.
وفي المنافذ الجمركية، يؤكد مخلّصون جمركيون أن الجماعة عممت منذ مطلع شهر صفر الجاري ربط استكمال إجراءات التخليص الجمركي بدفع ما تسميه "المساهمة في إحياء ذكرى مولد الرسول الأعظم".
يقول أحد مخلّصي المواد الغذائية إنه اضطر لدفع 400 ألف ريال عن أربع حاويات دخلت عبر منفذ بري، إضافة إلى 70 ألف ريال للمشرف، بعدما كان الأخير قد فرض في البداية 600 ألف ريال تحت بند "مساهمة المولد"، في مشهد يلخص الكيفية التي تُدار بها الجبايات بعيداً عن أي لوائح أو معايير واضحة.
ولا تتوقف رحلة التحصيل عند المنافذ، فبحسب تجار جملة، أصبحت مكاتب السجل التجاري تشترط دفع "مساهمة المولد" نقداً قبل تجديد السجل، بمبالغ تتراوح بين خمسة وعشرة آلاف ريال بحسب النشاط. أما أصحاب المنشآت الصناعية، فيؤكدون أنهم يواجهون أكثر من جهة تطالبهم بالدفع باسم المناسبة نفسها.
وامتدت الحملة إلى المحال التجارية الصغيرة، حيث يؤكد أصحاب محلات في صنعاء أن حملات التفتيش التي تنفذها مكاتب الأشغال على التراخيص المنتهية تحولت إلى فرصة لفرض "مساهمة المولد"، إذ يشترط المشرف المرافق للحملة دفع خمسة آلاف ريال فوراً، بغض النظر عن إجراءات تجديد الترخيص.
وفي الحديدة وإب، يقول أصحاب مشاريع صغيرة إن المشرفين يفرضون عليهم مبالغ تتراوح بين خمسة وعشرة آلاف ريال للمشاركة في فعاليات المولد داخل الأحياء، فيما يواصل مفتشو الأشغال وصحة البيئة المطالبة بمساهمات إضافية، تصل أحياناً إلى حد احتجاز العمال حتى يتم السداد.
ولم يقتصر الابتزاز على الأموال، بل امتد حتى إلى اللون الأخضر نفسه. فالمحلات والمنشآت التجارية أصبحت مطالبة بتغطية واجهاتها بالأقمشة والإضاءات الخضراء، وإلا تعرضت للمخالفات. وفي كثير من الأسواق يجمع المشرفون مبالغ من أصحاب المحلات لشراء الزينة، ثم يصل مفتشو الأشغال أو ممثلو السلطة المحلية لتحرير مخالفات جديدة بحجة عدم الالتزام، ولا تُلغى تلك المخالفات إلا بدفع إتاوات إضافية، في مشهد يبدو فيه كل طرف حريصاً على تحصيل نصيبه من "بركات الموسم".
وتعكس شكوى مالك محل "نيوفيش" لبيع الأسماك في صنعاء جانباً من حجم الضغوط التي يتعرض لها أصحاب الأعمال. فالتاجر أعلن، في منشور على صفحته في "فيسبوك"، أنه يبحث عن وساطة لدى شخصية نافذة في الجماعة لوقف الجبايات المتكررة التي تستنزف مشروعه، مؤكداً أنه اضطر منذ افتتاح المحل إلى الاقتراض بأكثر من ثلاثة ملايين ونصف المليون ريال للإبقاء عليه، وأنه لم يعد يعود إلى منزله بما يكفي لإعالة أسرته، محذراً من أنه قد يضطر إلى بيع محله ومغادرة البلاد إذا استمرت هذه الضغوط.
ولا تقتصر "موسمية المولد" على الأسواق والتجار، بل تمتد إلى المزارعين أيضاً. ففي مديرية المراوعة بمحافظة الحديدة، شنت الجماعة حملة مسلحة لتحصيل ما تصفه بـ"الزكاة"، مدعومة بأطقم وعشرات المسلحين، اقتحمت خلالها المزارع والمنازل في عدد من القرى، وفرضت مبالغ مالية بأثر رجعي عن سنوات سابقة، قبل أن تختطف عدداً من المزارعين العاجزين عن الدفع وتجبرهم على توقيع تعهدات مالية داخل أقسام الشرطة. وأدت الحملة إلى حالة واسعة من الخوف والاحتقان في أوساط الأهالي، الذين وجدوا أنفسهم أمام موسم جديد لا يحصد فيه المزارع ثمار أرضه بقدر ما يحصد مطالبات جديدة بالدفع.
ولا يبدو أن الجماعة تركت مؤسسة أو مرفقاً عاماً خارج "خطة المولد"، حتى ليخيل للمرء أن لديها دليلاً إرشادياً حول كيف تخرج جباية من العدم.
لا يعود السؤال هنا كيف ستحتفل بالمولد؟ وإنما: كم ستدفع للمولد؟ فالمناسبة لا تحتاج عندهم إلى استحضارها اجتماعيا بتعهد المحتاجين مثلا أو صرف مرتبات الموظفين، بقدر حاجتها إلى مشرفين يحملون دفاتر سندات، وآخرين يحملون قوائم بالأسماء المستهدفة، ومتفننين يجيدون اختراع مسميات جديدة للجباية. ويكون المواطن مطالباً بأن يثبت محبته للنبي عبر إيصال سداد مختوم، وإلا فإن محبته تبقى -في نظر الجباة- ناقصة الشروط، وربما تحتاج إلى إعادة تفعيل عبر دورة ثقافية أو عبر سجن جاهز للقول: هل من مزيد.