خاص-النقار
لا شيء سوى أنها سلطة صنعاء العظمى بأجهزتها الأمنية والقضائية، والتي يعجز القول عن أن يجد لها شبيها في الأرض أو السماء. ولأنها كذلك، فإنها لا تكف عن إتحافنا بكل ما هو جديد، بحيث تواكب العصر والزمان وتخطو قفزات إلى الأمام على كل المستويات والأصعدة والجوانب.
خذ على سبيل المثال جانب العدالة، والتي يبدو أنها دخلت مرحلة جديدة من التطور الإداري، بحيث لم تعد فيها المحكمة بحاجة إلى معرفة مكان المتهم، ولا النيابة بحاجة إلى سؤال الأجهزة الأمنية عنه. يكفي أن تقوم المحكمة والنيابة بنشر إعلان في صحيفة رسمية، وتقولان لذلك المتهم: عليك الحضور إلى المحكمة خلال شهر، وإلا اعتبرناك فارا من وجه العدالة.
بطبيعة الحال، النقلة النوعية ليست هنا، وإنما في أن المتهم المشار إليه في الإعلان القضائي معتقل منذ أشهر لدى أحد أجهزة تلك السلطة نفسها. ذاك بالضبط هو ما حدث مع الإعلامي خالد العراسي، باعتباره النموذج الحي أو التجربة الحقلية لتلك النقلة.
فالجميع، باستثناء نيابة ومحكمة الصحافة والمطبوعات، يعرفون أن الرجل معتقل منذ أكثر من سبعة أشهر لدى أحد الأجهزة الأمنية التابعة لسلطة صنعاء. وبالتالي، ليس فارّا من وجه العدالة بقدر ما أن العدالة هي التي لم تستطع الوصول إليه.
لكن إذا كان يحلو لبعض المغرضين تسمية ما حدث بالفضيحة القانونية والقضائية والأخلاقية، فالحقيقة أنها ليست فضيحة على الإطلاق، وإنما قفزة نوعية في مفهوم العدالة، يمكن أن تُدرَّس في أرقى الجامعات، وأن تُضاف إلى المناهج باعتبارها تجربة رائدة في فصل القضاء عن العدالة.
وهنا لا بد من إيضاح الأمر لتلك الجامعات، فنقول، بعد حمد الله: إن نيابة ومحكمة الصحافة والمطبوعات في صنعاء نشرتا بتاريخ 9 أغسطس 2026 إعلانا قضائيا جاء فيه: "على المتهم خالد حسين صالح العراسي في القضية رقم 87 لسنة 1447هـ غ،ج، الحضور إلى جلسات المحكمة بمقرها الكائن بالمجمع القضائي حي الأصبحي خلال شهر من تاريخ نشر هذا الإعلان، ما لم ستتم محاكمته كفار من وجه العدالة وفقا لنص المادة 285 وما بعدها من قانون الإجراءات الجزائية".
ويا لها من ورطة! ليس للمحكمة والنيابة الموقرتين بطبيعة الحال، وإنما لخالد العراسي نفسه. فكيف يستطيع إقناع الدجاجة بأنه ليس حَباً لها كي تلتقطه؟ عن نفسه، هو مقتنع تماماً بأنه ليس فارا من وجه العدالة؛ لكن المشكلة هي: من يقنع الدجاجة؟