• الساعة الآن 01:06 PM
  • 25℃ صنعاء, اليمن
  • 25℃ صنعاء, اليمن

فيصل ابوراس يكتب: اليمن بين منطق الدولة ومنطق الغلبة

فيصل ابوراس يكتب: اليمن بين منطق الدولة ومنطق الغلبة

 

فيصل بن امين ابوراس

لا امتياز سياسي بالنسب، ولا استهداف لأحد بسبب نسبه

عانى اليمن طويلًا من التدخل الخارجي والوصاية ومحاولات إضعاف قراره وسيادته، ودفع اليمنيون أثمانًا غالية، بل حياتهم، دفاعًا عن استقلال وطنهم وحقهم في تقرير مستقبلهم بأنفسهم.

لكن الخلاف اليوم، في تقديري، ليس حول مبدأ مقاومة التدخل الخارجي، فهذا مبدأ يجمع عليه اليمنيون، وإنما حول الطريق الذي يعيد لليمن كرامته وسيادته، ويمنح أبناءه دولة يشعرون جميعًا أنها دولتهم.

أنا أؤمن بدولة وطنية مدنية، يتساوى فيها اليمنيون جميعًا أمام القانون، ولا يكون لأحد حق في الحكم أو التقدم على غيره بسبب السلالة أو المذهب أو الانتماء المناطقي أو الحزبي أو الأيديولوجي أو القبلي، ولا بسبب القرب من صاحب القوة والنفوذ. فالسلطة في الدولة الوطنية ليست امتيازًا موروثًا، وإنما مسؤولية عامة مصدرها إرادة الناس ورضاهم، وتخضع للقانون والمساءلة.

وأؤمن كذلك بأن مواجهة النفوذ الخارجي والدفاع عن استقلال القرار اليمني أمر لا خلاف على أهميته، لكن مقاومة الخارج لا ينبغي أن تتحول إلى سلطة داخلية تجعل الولاء لها معيارًا للحقوق والفرص، أو إلى اختزال الدولة ومؤسساتها في مشروع جماعة أو تنظيم أو فئة. فحين تصبح الدولة أداة لمشروع خاص، لا نكون قد تحررنا من الوصاية، بل نكون قد استبدلنا شكلًا من أشكال الهيمنة بآخر.

أما مفهوم «الولاية»، فهناك من يراه جزءًا من عقيدته أو طريقًا إلى العزة والعدل من منظوره، وأنا أحترم حق الإنسان في أن يؤمن بما يراه حقًا، ما دام لا يفرضه بالقوة على الآخرين. لكنني أختلف عندما تتحول الولاية من اعتقاد ديني أو فكري إلى حق سياسي حصري مرتبط بسلالة أو نسب بعينه؛ فهنا تصبح المسألة، في نظري، مسألة حقوق ومواطنة وسيادة، وليست مجرد اختلاف في الاعتقاد.

لقد عاش أجدادنا تجربة تاريخية قاسية مع هذا النوع من الحكم، ورفضوا أن يكون النسب وحده مبررًا لاحتكار السلطة، ودفع كثير منهم أثمانًا غالية بسبب هذا الرفض. ولذلك يبقى السؤال مشروعًا: إذا كنا قد رفضنا بالأمس أن تكون السلطة حقًا لأحد لمجرد نسبه، فكيف نقبل اليوم أن تتحول إلى حق سياسي لأحفاد من ادعوا ذلك الحق من قبل؟

وهذا السؤال لا يستهدف إنسانًا بسبب نسبه، ولا ينتقص من دين أحد أو إيمانه. فالإيمان شأن بين الإنسان وربه، ولا يملك أحد أن يحاكم نيات الناس أو علاقتهم بالله. لكن الإيمان، في تقديري، لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتمييز إنسان عن آخر في حقوق المواطنة، أو إلى وسيلة لسلب حق أو مصادرة حرية أو وضع فئة فوق القانون.

وفي المقابل، لا أرى أن من حق أحد احتكار الوطنية أو توزيع صكوك الإيمان والوطنية على الناس بحسب مواقفهم السياسية. قد يختلف اليمنيون في أفكارهم ومذاهبهم ومشاريعهم، لكنهم جميعًا متساوون في المواطنة، ولا يجوز أن يتحول الاختلاف إلى إقصاء أو تخوين أو استعلاء.

ولا أشك في حق كل إنسان في أن يسير في الطريق الذي يؤمن أنه طريق الحق، لكن القناعة الصادقة لا تمنح صاحبها حصانة من النقد، ولا تجعل المختلف معه مخطئًا بالضرورة، ولا تمنحه حق فرض قناعته على الآخرين بالقوة.

وفي النهاية، أظن أن معركة اليمن الحقيقية ليست بين يمني ويمني، ولا بين سلالة وأخرى، ولا بين مذهب وآخر، وإنما بين منطق الدولة ومنطق الغلبة، وبين المواطنة والامتياز، وبين سيادة القانون وسيادة القوة.

واليمن الذي نريده ليس يمنًا ينتصر فيه طرف على طرف، بل يمنًا ينتصر فيه اليمنيون جميعًا؛ دولةً لا يُسأل فيها المواطن: من أي سلالة أنت؟ أو من أي مذهب؟ أو إلى أي جماعة تنتمي؟ وإنما يكفي أن يكون يمنيًا، وأن يكون القانون فوق الجميع.

ذلك، في رأيي، هو الطريق الأكثر أمانًا لاستعادة كرامة اليمن وسيادته، وهو أيضًا الطريق الذي يجعل مقاومة التدخل الخارجي ذات معنى حقيقي؛ لأن أقوى حصن في مواجهة أي وصاية خارجية هو دولة وطنية عادلة، قوية بمؤسساتها، مستمدة شرعيتها من مواطنيها، لا من الخارج ولا من السلاح ولا من النسب.

شارك المقال: