أعلنت الفصائل المسلحة في العراق أن حصر السلاح لا يمكن فصله عن تحقيق السيادة الكاملة، في محاولة لإعادة توجيه الملف من كونه أمنياً يتعلق بحصر القوة المسلحة بيد الدولة، إلى صفقة سياسية أوسع أو مراوغة فصائلية لتأجيل حسمه إلى أبعد وقت ممكن بربط التخلي عن السلاح بتحقيق مجموعة من الشروط المتعلقة بالسيادة والقرار السياسي والاستقلال الاقتصادي وحماية المجال الجوي والبري العراقي.
ونقلت وكالة شفق نيوز الكردية عن المتحدث باسم كتائب سيد الشهداء، كاظم الفرطوسي، قوله إن ملف حصر السلاح جرى بحثه عبر لجنة مشكلة من الإطار التنسيقي وأخرى من فصائل المقاومة، مبيناً أن النقاشات شهدت تحديد الأولويات بشأن هذا الملف. وأوضح الفرطوسي، أن "المبدأ الذي طرحته الفصائل ولا يمكن تجزئته أو التفاوض عليه هو أن هذا السلاح مقابل السيادة"، مؤكداً أنهم لن يتخلون عن السلاح ما لم تكون هناك سيادة كاملة في البلاد".
ويعني ذلك أن تسليم السلاح أو تنظيمه لا يمكن أن يسبق، من وجهة نظر الفصائل، خروج القوات الأجنبية وضمان قدرة الدولة العراقية على حماية أراضيها وأجوائها وقرارها السياسي. وهذا الطرح يمنح الفصائل مساحة واسعة لتحديد معنى "السيادة الكاملة" وشروط تحققها، وهي نقطة تحمل دلالة سياسية كبيرة.
ويمكن قراءة الموقف باعتباره تكتيكاً تفاوضياً أكثر منه رفضاً صريحاً لحصر السلاح. فالفصائل لم تقل إنها ترفض المبدأ، بل وضعت له شروطاً وربطت تنفيذه بتحقق قائمة من المطالب. وهنا تكمن احتمالية المماطلة: إذا بقي تعريف السيادة مفتوحاً وقابلاً للتوسع، يمكن أن يتحول كل مطلب جديد إلى شرط إضافي يؤجل الانتقال إلى مرحلة حصر السلاح.
ويكتسب ذلك أهمية خاصة مع اقتراب 30 سبتمبر/أيلول، الذي وصفته الفصائل بأنه اختبار لجدية الولايات المتحدة والتحالف الدولي في تنفيذ التزاماتهم تجاه الحكومة العراقية. وبالتالي فهي تستخدم الموعد أيضاً للضغط على واشنطن، وتحاول جعل ملف السلاح مساراً متبادلاً لا التزاماً أحادياً.
وفيما يتعلق بموعد 30 سبتمبر/أيلول، وما إذا كان يمثل موعداً لحسم ملف حصر السلاح، أوضح الفرطوسي أن هناك "خلطاً بالتواريخ"، وأن هذا هو موعد انسحاب قوات التحالف من العراق. مضيفا أن هذا الموعد يمثل "الاختبار الأول لجدية إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب والتحالف في تطبيق التزاماتهم مع الحكومة العراقية"، لافتاً إلى أنه "بعد 30 سبتمبر/أيلول يبدأ الحديث حول موضوع السلاح ووجوده واستعماله".
وتريد الفصائل ضمانات بشأن مستقبل نفوذها ودورها بعد انسحاب القوات الأجنبية، وتدرك أن التخلي عن السلاح يعني عملياً فقدان إحدى أهم أدوات قوتها السياسية والأمنية. لذلك فإن ربط السلاح بالسيادة يمثل محاولة للحصول على ثمن سياسي وأمني واضح مقابل أي تنازل مستقبلي.
والمعضلة الأساسية أن مفهوم السيادة الذي تطرحه الفصائل أوسع بكثير من ملف حصر السلاح. فحين تصبح حماية الأجواء، والاستقلال الاقتصادي، والقرار السياسي، ووجود القوات الأجنبية جميعها شروطاً مسبقة، فإن تنفيذ حصر السلاح قد يتحول إلى عملية طويلة وغير محددة زمنياً.
كما أن قبول منطق "السلاح مقابل السيادة" يحمل خطراً على الدولة نفسها، لأنه قد يوحي بأن احتفاظ جماعات مسلحة بالسلاح يصبح مشروعاً طالما أنها ترى أن السيادة لم تتحقق بصورة كاملة. وهذا يضع الحكومة أمام معادلة صعبة: كيف تضمن خروج القوات الأجنبية وبناء قدرات دفاعية وطنية، وفي الوقت نفسه تمنع استخدام هذه الملفات ذريعة لاستمرار السلاح خارج مؤسسات الدولة؟
ويشير الموقف الأخير للفصائل يشير إلى أن المعركة الحقيقية لم تعد حول مبدأ حصر السلاح فقط، بل حول شروط وتوقيت وطبيعة ما بعد حصره. فهي تريد ضمانات بأن التخلي عن السلاح لن يعني فقدان نفوذها أو تعرضها للملاحقة أو عزلها سياسياً، بينما تريد الدولة أن يتحول احتكار القوة إلى قاعدة نهائية لا تخضع للتفاوض.
ويفتح بوضوح باب التسويف إذا لم تتحول المطالب العشرة إلى معايير محددة، قابلة للقياس، ومربوطة بجدول زمني واضح. أما إذا ظلت عبارة "السيادة الكاملة" مفتوحة على تفسيرات متعددة، فقد يصبح من السهل تأجيل حسم ملف السلاح إلى أجل غير مسمى.
وأفادت مصادر مطلعة مؤخرا بأنه تم التوصل إلى اتفاق مبدئي على عقد اجتماع يضم أطرافاً حكومية رسمية عسكرية وأمنية، إلى جانب قادة من الإطار التنسيقي، وممثلين عن هيئة الحشد الشعبي، وممثلين عن الفصائل المسلحة، لبحث آلية حصر السلاح بيد الدولة، قبيل الموعد المحدد في 30 سبتمبر/أيلول، قبل أن يتم تأجيله بسبب تغيب حركة النجباء عنه.
وبحسب المصادر فإن الاجتماع "لا يعني التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن آلية حصر السلاح"، وإنما يأتي في إطار مساعي التهدئة ومنع أي تصعيد محتمل، ومحاولة الوصول إلى حلول وتفاهمات بشأن عملية حصر السلاح.
وشكل الإطار التنسيقي قبل أسبوعين، لجنة ثلاثية ضمت كلا من محمد شياع السوداني، ونوري المالكي، وهادي العامري، لأجل احتواء تداعيات حصر السلاح بيد الدولة، خاصة بعد التصعيد الإعلامي الذي شهدته الساحة العراقية بخصوص هذا الملف.