• الساعة الآن 11:10 PM
  • 20℃ صنعاء, اليمن
  • 20℃ صنعاء, اليمن

عملة سفري.. سلطة سفري

عملة سفري.. سلطة سفري

خاص-النقار
لم تعد فئة المائتي ريال التي أصدرتها سلطة صنعاء (الحوثي) قبل عام وثلاثة أشهر بحاجة إلى قرار بإخراجها من التداول. فالعملة نفسها كانت قد اتخذت القرار من أول وهلة. وكل ما فعله الزمن أنه كشف أنها لم تكن عملة للبقاء أكبر مدة ممكنة، بقدر ما كانت عملة سفري، مثلها مثل أدوات السفري الأخرى التي تُستعمل مرة ثم تُرمى.
عام وثلاثة أشهر بالتمام والكمال لتتحول تلك العملة الورقية إلى فضيحة كبرى. لكن لا خجل. فهي سلطة صنعاء ولا مزيد. 
لم تقتصر الحكاية على رداءة الورق، بل أيضا امتدت إلى الحبر الذي أخذ يختفي بطريقة عجيبة، كما لو كان مجرد مداد فقط، مثلما امتدت كذلك إلى ملامح العملة التي راحت تتلاشى شيئاً فشيئاً، حتى أصبحت فئة المائتي ريال هذه ورقا متهافتا بشكل يرثى له، والعملة العظمى مجرد ورقة مستطيلة بلا ملامح ولا هوية حتى لو كانت "الهوية الإيمانية" أو هوية محمد العماد. 
فقط ورقة مستطيلة تحتفظ ببقايا لون وردي وكلمات ممسوحة. فحتى الرقم لم يعد واضحاً: هل هما صفران أم ماذا؟ وهل تلك ملامح جامع الجند أم مجرد لوحة سوريالية لفنان عبثي. 
يأخذها صاحب البقالة أو صاحب الباص على مضض، لكنه يعرف أن عليه بعد قليل أن يخوض معركة أخرى لإقناع شخص آخر بقبولها. 
صار أصحاب البقالات والمحلات يتعاملون معها بحذر يشبه التعامل مع سلعة منتهية الصلاحية. يقلبها ظهرا وبطنا، يحاول قراءة رقمها، ينظر إلى الزبون وكأنه يسأله: لماذا؟
عملة تتحول إلى شيء يشبه الورطة التي يتقاذفها المواطنون في مناطق سيطرة سلطة صنعاء، كل واحد منهم يريد أن يتخلص منها قبل أن تتفتت في يده.
كل هذا بعد عام وثلاثة أشهر فقط من إصدار تلك العملة. كان النخيط عندما صدرت قد بلغ بالجماعة وسلطتها حداً جعلها تضع لوائح وقوانين حول كيفية التعامل معها، كأننا أمام عملة فريدة من نوعها، مطبوعة ضمن أرقى المعايير والمقاييس والمواصفات. ومن يعد إلى بيان البنك المركزي في صنعاء يجد أنه لم يدخر تهديدا ولا وعيدا إلا وأورده بخصوص أي محاولة أو مغبة محاولة من مأجورين وعملاء في إتلاف العملة أو تشويهها.
وبين إعلان البنك وضخ العملة في الأسواق أشهر طويلة انتظر فيها المواطن متى تجود سلطة صنعاء بعملتها الوردية التحفة. ثم جاءت، واستعد الناس للتعامل معها باحترام يليق بعملة رسمية، فإذا بها هي نفسها فاقدة للاحترام؛ إذ سرعان ما تكوست وانكفأت على نفسها بطريقة عجيبة، وبدأت تضمحل أكثر فأكثر، حتى كادت أن تصبح في عداد التالف.
كان المواطن يتداولها ويداه ترتجفان من الرهبة، لا يجرؤ حتى على عطفها في جيبه، وإذا بالعملة نفسها تعطف نفسها وتتمتع بحق العبث بنفسها، وتفعل كل شيء دون ان يجرؤ أحد على أن يعترض عليها، فهي عملة "أنصار الله" على سن ورمح، ومن حقها أن تفعل بنفسها ما تشاء.
الأمر أشبه بصحون وأقلاص السفري التي تُشترى في الأعراس والمناسبات لتسد الفراغ في لحظة معينة، ثم تُكب في القمامة كشيء لم يعد صالحاً للاستعمال. تُستخدم مرة واحدة، وربما مرتين إذا كانت محظوظة، ثم ينتهي عمرها. وكذلك هي العملة الورقية التي طبعتها سلطة صنعاء مؤخراً من فئة مائتي ريال.
عملة سفري، جاءت إلى السوق بثوب وردي، كأنها عروس العملة الجديدة، ثم لم يمض وقت طويل حتى بدأ ثوبها نفسه في الخجل ثم التفسخ ثم التلف قبل حتى أن يجف حبر البيان الصادر عن البنك المركزي اليمني بصنعاء. فالبيان صدر في 14 يوليو 2025، ولا بأس من إيراد ما أكده البنك حينها بأن هذه الورقة "طُبعت وفق أحدث المعايير والممارسات العالمية في مجال طباعة الأوراق النقدية؛ حيث تحتوي على الكثيـر من العلامات الأمنية الأكثر تطورا البعض منها ترى بالعين المجردة والبعض ترى بالأشعة فوق البنفسجية".
لكن ربما نسي البنك في إعلانه ذاك أن يشير إلى أن عملته تلك عبارة عن عملة سفري فرضتها الضرورة، وأن استعمالها يجب ألا يزيد على عام واحد من تاريخ التداول، ومن يخالف سيتحمل كامل المسؤولية والمساءلة.
وفي النهاية، ليست العملة وحدها هي السفري؛ فالبنك الذي أصدرها هو بنك سفري، والسلطة التي تغنّت بها سلطة سفري، وهكذا وهكذا. ولعل فئة المائتي ريال لم تفعل سوى أن قدمت النموذج الأصدق لجماعة تحاول تجميل قبحها بالمزيد من الماكياج فتفتضح أكثر.

شارك الخبر: