خاص- النقار
ينتصف الشهر التسعون بعد المائة وما زالت مرتبات اليمنيين مصلوبة عند سلطة لا تعرف شيئا من مهام ومسؤولية السلطات. هكذا فقط وجدت لتمارس الجبايات وتعمم الجهل وتنسج الكذب وتبدع السجون. سلطة تجيد الجباية وتتفنن في مصادرة ما تبقى في جيوب الناس، وتعمّم الجهل باعتباره تعليماً، وتنسج الكذب باعتباره خطاباً، وتبدع السجون باعتبارها مؤسسات دولة، وتمضي أمورها على أحسن ما يرام. ومن تراه ذلك الذي سيجرؤ على انتقادها أو مطالبتها بشيء؟ أيعقل أن يقول لها أحد: أريد راتبي، أو: أنا جاوع؟ هذا فوق أن يفكر فيه الشغب العظيم، حيث ليس عليهم سوى أن يسمعوا ويطيعوا وأن يسألوا متى يوم الجمعة حتى يخرجوا إلى الساحات ليصرخوا ويعودوا. اثنا عشر عاما من عمر الجماعة التي ستحتفل بعد يومين بـ"ثورتها الخالدة"، كما تسميها. ولا شيء سيبدو متغيرا. فالمشاط سيطل على الشعب ملقيا خطابا تاريخيا بالمناسبة، وسيتحدث كثيرا لدرجة أن خطابه سيحتاج إلى أربعة مجاهدين على الأقل لتفريغه. وسيقول ما لم يقله في العام الماضي من حيث البسملة والمقدمة والخاتمة، وخلفية العلم وديكور الطاولة. أما مفتاح فسيبحث عن مؤتمر أو ندوة أو حفل تخرج ليتحدث عن إنجازاته في عدد الشالات التي ظهر فيها منذ تعيينه على رأس حكومة صنعاء المباركة. وبالتأكيد تلك الشالات جيء بها من خارج استراتيجية الجرموزي، حيث تلك مختصة فقط في تقسيم الموظفين إلى فئات، وكل فئة إلى فصيل، وكل فصيل إلى نصف فصيل... الخ. اثنا عشر عاما والراتب الذي كان يأتي في نهاية كل شهر صار أثراً من آثار زمن سابق، يحتاج الموظف البائس إلى أن يستدل عليه من الذاكرة. ومع ذلك، لا تتوقف الخطب عن الحديث عن الدولة والمسؤولية والمجتمع وبناء الإنسان واستنهاض الطاقات. واللجان لا تكف عن النزول للحصر والرصد والتعقب والمتابعة والرفع والخفض وعقد الاجتماعات والمؤتمرات. كل ذلك لأن نصف راتب وعدت به حكومة مفتاح وأقرته سلطة المشاط واستراتيجية الجرموزي، ثم ارتأت تلك الجهات العليا أن يعاد النظر في ذلك الوعد المتسرع وتقسيطه قدر الإمكان. فأصبح الراتب مقسطا والوعد مقسطا والحياة أيضا. وليس من حق أحد أن يطالب بشيء، وإن طالب فلا يتعدى ذلك جرموزيا أو مفتاحا. أما المشاط فإنه لصفقات دغسان وشحنات بروميد الميثيل التي لا تتأثر بها طبقات الأوزون. وأما "السيد" فقد نذر للقضايا الكبرى كأن يفند مثلا شائعة أن جماعته استهدفت مكة بطائرة مسيرة. مثل هذه الشائعة تحتاج منه خطابا بأكمله للتصدي للمغرضين وتفنيد مزاعمهم بالتفصيل الدقيق ومن كل الجوانب. وهكذا يبقى الراتب هو الوحيد الغائب عن كل اهتمام، فلا حكومة مفتاح معنية بإنزاله، ولا سلطة المشاط معنية بالسؤال عنه، ولا قيادة الجماعة ترى في صلبه منذ 12 عاما قضية تستحق خطابا أو اجتماعا أو لجنة. فيما لسان حال الموظف يقول: أما آن لهذا الراتب أن يترجل؟