امتنعت واشنطن عن منح قائد الجيش السوداني ورئيس مجلس السيادة الانتقالي عبدالفتاح البرهان تأشيرة دخول، قبل أيام من موعد كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، بسبب رفضه اتفاق هدنة. ما يصاعد التوتر مع الإدارة الأميركية.
وطالب السفير السوداني لدى الأمم المتحدة الحارث إدريس الحارث، في رسالة إلى الأمين العام أنطونيو غوتيريش، بتدخل المنظمة الدولية لدى السلطات الأميركية لضمان إصدار التأشيرة، محذراً من أن استمرار الرفض سيمنع عملياً رئيس دولة عضو في الأمم المتحدة من المشاركة شخصياً في أعمال الجمعية العامة.
وأكد المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك أن الأمانة العامة أثارت المسألة مع السلطات الأميركية، وأنها تواصل اتصالاتها بشأنها.
وبحسب مصدر دبلوماسي سوداني ومحلل غربي مقرب من المسؤولين الأميركيين والسودانيين، فإن إصدار التأشيرة قد يكون مرتبطاً بموافقة البرهان على مقترح أميركي لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، قدمه مستشار الولايات المتحدة للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس. لكن الجيش السوداني أبدى تحفظات على المقترح، فيما أكد البرهان في مقال نشرته مجلة "فورين بوليسي" أنه يرفض أي توجيهات خارجية بشأن الحرب، معتبراً أن اتفاقات الهدنة السابقة سمحت لقوات الدعم السريع بإعادة تنظيم صفوفها.
ويأتي الخلاف في وقت تكثف فيه واشنطن جهودها الدبلوماسية لإنهاء الحرب المستمرة منذ أبريل/نيسان 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع، ضمن مجموعة رباعية تضم الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات.
وتزامن التصعيد الدبلوماسي مع ضغوط أميركية أخرى على الجيش السوداني، بينها مقترح لتوسيع حظر الأسلحة المفروض على دارفور ليشمل بقية السودان، وهو ما يعارضه مؤيدو البرهان باعتباره قد يؤثر بصورة أكبر على الجيش.
في المقابل، يواجه السودان أزمة اقتصادية عميقة نتيجة انقسام البلاد إلى مناطق نفوذ متنافسة وتراجع عائدات الصادرات. فقد هبط الجنيه السوداني إلى نحو 7500 جنيه مقابل الدولار في السوق السوداء الثلاثاء، مقارنة بنحو 4100 في مايو/أيار، بينما كان سعره قبل الحرب يقارب 600 جنيه للدولار.
وتتركز أجزاء مهمة من إنتاج الذهب والماشية والبذور الزيتية والصمغ العربي في مناطق تسيطر عليها قوات الدعم السريع، ما يحرم السلطات الموالية للجيش من جزء كبير من موارد التصدير. ورغم إعلان قطاع الذهب الرسمي إنتاج 70 طناً العام الماضي، لم يسجل البنك المركزي سوى 14.7 طن منها كصادرات.
ويؤدي نقص الإيرادات الرسمية إلى اعتماد المستوردين على الدولار من السوق السوداء لتمويل شراء سلع أساسية مثل الوقود والقمح، فيما ساهمت عودة ملايين النازحين في زيادة الطلب وارتفاع الأسعار.
وتشير المنظمة الدولية للهجرة إلى عودة نحو خمسة ملايين نازح من أصل 14 مليوناً فروا بسبب الحرب، خصوصاً إلى المناطق التي استعادها الجيش. لكن عودة السكان تتزامن مع اقتصاد منهك، إذ تراجعت مبيعات بعض المتاجر بنحو 70 بالمئة، فيما فقدت الرواتب جزءاً كبيراً من قيمتها.
وقال سليمان بلدو رئيس المرصد السوداني للشفافية والسياسات إن المشكلة تكمن في جانب منها في "التقسيم الاقتصادي" للسودان الذي حرم السلطات الموالية للجيش من الصادرات الرئيسية.
وأعلن قطاع الذهب الرسمي في السودان، وهو المصدر الرئيسي للعملة الصعبة، عن إنتاج 70 طنا من ذلك المعدن النفيس العام الماضي، لكن البنك المركزي لم يسجل سوى 14.7 طن منها في صورة صادرات.
وقال بلدو إن معظم ما لا يزال يُنتج في الأراضي التي يسيطر عليها الجيش لا يدخل في ميزانية الدولة، وإنما يُحوّل لشراء الأسلحة أو يُوجه إلى شبكات المحسوبية.
وتعكس أزمة التأشيرة والتدهور الاقتصادي مسارين متوازيين لأزمة السودان: ضغوط دبلوماسية متزايدة على القيادة العسكرية للتوصل إلى وقف إطلاق النار، واقتصاد منقسم يحد من قدرة السلطات على تمويل الحرب وإعادة بناء مؤسسات الدولة.