انطلقت في الجزائر الخميس، الحملة الدعائية للانتخابات المحلية المقررة في 28 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، بمشاركة أكثر من 162 ألف مرشح لعضوية المجالس الشعبية البلدية والولائية، وتمثل اختباراً لمدى قدرة المؤسسات المنتخبة على استعادة دورها في إدارة الشأن العام، وتعزيز الصلة بين المواطنين والسلطات، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات تتعلق بالتنمية المحلية وتحسين الخدمات والاستجابة للمطالب الاجتماعية.
وأفادت وكالة الأنباء الجزائرية، استنادا إلى معطيات السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، بأن 141 ألفا و388 مرشحا يتنافسون على عضوية المجالس الشعبية البلدية، و21 ألفا و476 مرشحا على عضوية المجالس الشعبية الولائية.
وتعكس هذه الأرقام حجم الاستحقاق، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على مستوى المشاركة أو التنافس السياسي، إذ سيظل الإقبال على صناديق الاقتراع وطبيعة الخيارات الانتخابية مؤشرين أساسيين لقياس مدى اهتمام الجزائريين بهذه المؤسسات.
وتنبع الأهمية العملية لهذه الانتخابات من طبيعة الصلاحيات التي تتمتع بها المجالس المحلية، باعتبارها المؤسسات المنتخبة الأقرب إلى احتياجات السكان اليومية. فالمجلس الشعبي البلدي يتولى التداول في شؤون البلدية، ويؤدي دوراً في متابعة ملفات النظافة والتهيئة العمرانية والطرق والمياه والإنارة والسكن والخدمات الاجتماعية، فضلاً عن المساهمة في تحديد أولويات التنمية المحلية.
أما المجالس الشعبية الولائية، فتضطلع بدور أوسع في التخطيط التنموي والتنسيق بين البلديات، ومتابعة قطاعات مثل التعليم والصحة والنقل والتجهيز والاستثمار والتشغيل.
ولذلك، فإن نتائج الاقتراع لن تحدد فقط هوية ممثلي السكان، بل ستؤثر أيضاً في طبيعة الأولويات التي ستُطرح على مستوى البلديات والولايات خلال السنوات الخمس المقبلة.
وتتضاعف أهمية هذه المسؤوليات في ظل التفاوت التنموي بين المناطق الجزائرية، ولا سيما البلديات التي تعاني نقصاً في البنية التحتية والخدمات الأساسية وفرص العمل. إذ تشكل المجالس المنتخبة إحدى القنوات التي يمكن من خلالها نقل مطالب السكان إلى المؤسسات التنفيذية، ومراقبة تنفيذ المشاريع، وتحديد الاحتياجات الأكثر إلحاحاً.
وترتبط فاعلية هذه المجالس بمدى امتلاكها الموارد والصلاحيات اللازمة، وبقدرتها على العمل مع الولاة والأجهزة التنفيذية. فالمجالس المنتخبة لا تدير جميع الملفات بصورة مستقلة، وهو ما يجعل العلاقة بين المنتخبين والسلطات الإدارية عاملاً مؤثراً في قدرتها على تنفيذ تعهداتها.
ويمثل مستوى المشاركة أحد أبرز التحديات التي تواجه الاستحقاق، خصوصاً أن الانتخابات المحلية السابقة، التي جرت في نوفمبر/تشرين الثاني 2021، سجلت نسبة مشاركة بلغت 36.58% في انتخابات المجالس البلدية و34.76% في المجالس الولائية، وفق النتائج النهائية التي أعلنتها السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية أكبر في ضوء نتائج الانتخابات التشريعية التي أجريت في يوليو/تموز 2026، والتي سجلت مشاركة بلغت 21.2% فقط، بحسب بيانات الاتحاد البرلماني الدولي. ورغم اختلاف طبيعة الاستحقاقين، فإن هذا المستوى المنخفض يضع مسألة العزوف الانتخابي في صلب التحديات السياسية، ويجعل انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني اختباراً لمدى قدرة الأحزاب والمرشحين على استقطاب الناخبين وإقناعهم بأهمية المشاركة.
وتراهن السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات على ارتفاع أعداد المسجلين الجدد والمرشحين مقارنة بانتخابات 2021، معتبرة أن ذلك يعكس اهتماماً متزايداً بالاستحقاق. غير أن زيادة عدد المرشحين لا تعني بالضرورة ارتفاع نسبة المشاركة، إذ يبقى الإقبال الفعلي على صناديق الاقتراع المقياس الأوضح لمدى استعادة الثقة بالعملية الانتخابية.
وتشير تركيبة المرشحين إلى بعض المؤشرات اللافتة؛ إذ تبلغ نسبة الشباب 54.02%، مقابل 11.86% للنساء، فيما يمثل الجامعيون 48.48% من إجمالي المرشحين، وفق بيانات أوردتها الإذاعة الجزائرية استناداً إلى السلطة الانتخابية. وقد يمنح حضور الشباب فرصة لتجديد النخب المحلية، لكن محدودية تمثيل النساء تظل مؤشراً على استمرار الفجوة في المشاركة السياسية بين الجنسين.
وتُجرى الانتخابات وفق نظام القائمة المفتوحة، الذي يتيح للناخب اختيار المرشحين المفضلين داخل القائمة الواحدة، بدلاً من الالتزام بالترتيب الذي تضعه الأحزاب أو القوائم. ومن شأن هذا النظام أن يمنح الناخب دوراً أكبر في تحديد هوية الفائزين، وأن يقلص احتكار قيادة القوائم لقرار ترتيب المرشحين.
كما يتيح النظام للقوائم المستقلة منافسة الأحزاب التقليدية على أساس المرشحين وبرامجهم المحلية، وهو أمر قد يعزز فرص ظهور شخصيات ذات حضور اجتماعي أو خبرة في العمل البلدي، بعيداً عن الانتماءات الحزبية وحدها.
لكن نجاح هذه الآلية يبقى مرتبطاً بمدى قدرة الناخبين على المفاضلة بين المرشحين على أساس الكفاءة والبرامج، لا الاعتبارات الشخصية أو العائلية والجهوية.
وتأتي الانتخابات أيضاً في ظل إعادة تنظيم الخريطة الإدارية للبلاد، مع دخول التقسيم الإقليمي الجديد حيز التطبيق وارتفاع عدد الولايات إلى 69، الأمر الذي يضيف بعداً إدارياً وتنموياً إلى الاستحقاق، إذ ستتشكل مجالس جديدة في وحدات إدارية مستحدثة، بما يفتح المجال لإعادة توزيع الأولويات والموارد والتمثيل المحلي.