خاص - النقار
تتناقض السردية المعتمدة لدى جماعة أنصار الله الحوثيين حول الهدف من إقامة المراكز الصيفية للطلاب في المناطق الخاضعة لسيطرتها مع جملة الوقائع على الأرض، والتي تشير إلى أن التعليم هو آخر ما تفكر به الجماعة، وإلا لما أوصلت المدارس إلى تلك الحالة من الهوان.
فعن أي تعليم تتحدث الجماعة بالضبط؟ ولماذا هذا التركيز على المراكز الصيفية وإهمال التعليم الرسمي بكل أشكاله ومستوياته؟ لماذا ترى نفسها مسؤولة عن خلق فضاء تربوي وتعليمي حقيقي للطلاب الصغار فقط في المراكز الصيفية وتتخلى عنهم في مواسم الدراسة؟ هل تريد فضاء تربويا وتعليميا أم معسكرات مغلقة لتجنيد الأطفال وتكثيف التعبئة الأيديولوجية؟
في مطلع كل صيف، ووفقا لتقويم هجري سرعان ما ستصطدم به ويتعارض مع ما أقرته، تسارع الجماعة وسلطتها الحاكمة في صنعاء، وقبل أن يفرغ الطلاب من امتحاناتهم، بتجهيز آلاف المراكز الصيفية في المدارس الحكومية والخاصة، وفي المساجد ومباني المؤسسات.
المفارقة أن تلك المدارس التي تظل في حالة ركود طيلة الموسم الدراسي الرسمي، حيث الآلاف منها لا تتوفر فيها أدنى مقومات التعليم، وحيث المعلمون بلا رواتب وصندوق المعلم خارج الخدمة، فجأة تتحول تلك المدارس إلى بؤرة نشاط قصوى، بحيث لا يعود الأمر هنا متعلقا بعدم وجود موازنات كافية بفعل "الحرب والعدوان والحصار"، كما تقول الاسطوانة المشروخة والنغمة المعتادة للجماعة، وإنما يحضر السخاء بأبهى تجلياته ويكون المسؤولون قد شمروا ثيابهم واستنفروا كل طاقاتهم لإنجاح الموسم الصيفي ورفده بالمال والإمكانيات اللازمة.
ما تكشفه الوقائع ليس مجرد مفارقة تربوية، بقدر ما أنه أيضا مشروع سياسي ممنهج يختبئ خلف شعار "التربية والهوية". فحين تُترك المدارس الرسمية في حالة موت سريري، بلا معلمين ولا مناهج ولا رواتب، ثم تُستحضر فجأة لتتحول إلى ساحات صاخبة في الصيف، فإن ذلك معناه تحويل التعليم من فضاء للمعرفة إلى منصة للسياسة، ومن قاعة للدرس إلى معسكر للتنشئة العقائدية. وهذا يفضح جوهر المشروع الذي لا يرى في الطفل سوى أداة في معركة طويلة، حيث يُستبدل الكتاب بالبندقية، والدرس بالهتاف، والمستقبل بالولاء.
بحسب معلومات رسمية، فإن هذا العام وحده شهد افتتاح 3672 مركزاً في مختلف المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة، استقطبت أكثر من مليون ونصف طالب وطالبة.
في خطابها الرسمي، تصف الجماعة المراكز الصيفية بأنها رافد تربوي وتأهيلي، يهدف إلى تعويض النقص التعليمي الناتج عن الحرب، وهو عذر أقبح من ذنب، وكأن ذلك النقص الناجم عن الحرب لا ينفع تعويضه في المدارس أيضا. كما أن تقديمها لنشاط المراكز الصيفية على أنه مسؤولية جهادية مقدسة، وتشديدها على ضرورة غرس قيم "الكرامة والدين والهوية" في نفوس الناشئة، يجعلان من المواسم الدراسية كأنها مرتع للانحراف والشذوذ، مع أنها هي السلطة الحاكمة هنا وهناك، وقد تسنى لها أن تُدخل إلى المناهج والمدارس كل ما تريده من أفكار وممارسات.
هنا، يتخذ السرد تناقضا صارخا، فالأطفال يُصوَّرون من قبل الجماعة وسلطتها الحاكمة كأمانة يجب حمايتها من ثقافة التضليل، لكن ليس في المواسم الدراسية الىسمية ولا في المدارس باعتبارها مدارس وإنما باعتبارها مراكز صيفية وحصونا ضد الانحراف والتيه.
بمعنى آخر، هناك نقص تعليمي وتربوي لا بد من تعويضه، لكن ليس عبر المدارس وإنما عبر المراكز الصيفية. لماذا؟ لأن الجماعة ببساطة تريد هكذا.
هذا الإصرار على تلك المراكز لا يعود له علاقة بالتعليم، وإنما يراد من خلاله أمور أخرى، حيث يرى مراقبون ومنظمات حقوقية أن هذه المراكز ليست سوى معسكرات لتجنيد الأطفال تحت غطاء تربوي.
كما أن شهادات الأهالي وأولياء أمور الطلاب تشير إلى أن الأطفال يُدفعون أحياناً للالتحاق بها تحت ضغط اجتماعي أو إداري، وأن المناهج تتضمن تدريبات شبه عسكرية إلى جانب الدروس الدينية، وبالتالي هذه المراكز ليست مجرد صفوف دراسية، ولا أطفالا يحملون دفاترهم، وإنما موسم لصناعة جيل مهيأ للتعبئة الأيديولوجية والتجنيد المبكر.