• الساعة الآن 08:58 PM
  • 22℃ صنعاء, اليمن
  • 22℃ صنعاء, اليمن

فيصل بن أمين ابوراس يكتب: سلطة الأمر الواقع والمنكفون.. بين أصالة العُرف وضرورة الدولة

فيصل بن أمين ابوراس يكتب: سلطة الأمر الواقع والمنكفون.. بين أصالة العُرف وضرورة الدولة

 

فيصل بن أمين ابوراس*

في أبهى تجلياته، لا يكون “النكف القبلي” مجرد استجابة عابرة، بل قيمة إنسانية رفيعة ترتقي إلى نصرة المظلوم، وتعكس عمق التلاحم الاجتماعي وروح الأخوّة التي شكّلت عبر الزمن أحد أعمدة المجتمع. إنه في صورته النبيلة فعلُ نجدةٍ خالصة، تتجاوز الانتماءات الضيقة، وتُعيد الاعتبار لمعاني الشهامة والتكافل.
ويُروى في هذا السياق ما يجسد هذه الروح بأصدق صورها؛ إذ تحدّث النقيب عبده حبيش، أحد وجاهات سفيان، عن تجربةٍ شخصية حين ألمّ به مرضٌ شديد. قال إنه “نكف في بكيل”، فهبّ له من لم تجمعه بهم إلا قيم المروءة. وبين غيابٍ وإفاقة، نُقل في ليلةٍ حالكة إلى صنعاء، ليفتح عينيه على رعايةٍ طبية متكاملة، وعلى وجوهٍ لم تسأله عن موقفه ولا انتمائه. وحين استعاد وعيه، قيل له مطمئنًا: “أنت بين أهلك، وقد زال الخطر”. والمفارقة التي تُضيء المشهد أن من أسعفه ومن وقف إلى جانبه تجمع بينهما القبيلة وكان على خلافٍ سياسي معه؛ أحدهما ملكي والآخر جمهوري، لكنهما التقيا على ما هو أسمى: إنقاذ اخ وصديق عزيز.
ذلك هو النكف في معناه النبيل؛ حين يداوي النفوس قبل الأجساد، ويجمع الناس على ما فيه خيرهم المشترك، ويُقدّم نموذجًا لما يمكن أن تكون عليه العلاقات حين تُغلّب القيم على الخلافات. وهي الروح التي نحتاجها اليوم، لا لتجاوز الأزمات الآنية فحسب، بل للعبور الجماعي نحو الدولة التي طال انتظارها، دولة العدل والمؤسسات.
غير أن هذا الدور يفقد قيمته حين يُفرغ من مضمونه، ويُزجّ به في مكايدات أو يُستغل كأداة للاستقواء ضمن صراعاتٍ تُباعد بين الناس بدل أن تجمعهم. فنجاح النكف يظل مرهونًا بصفاء مقصده، وتجريده من أي توظيف ضيّق، وإعادته إلى سياقه الأخلاقي الذي وُجد من أجله.
كما أن من يدعون إلى النكف تقع عليهم مسؤولية مضاعفة؛ ليس فقط في نصرة من استنجد بهم، بل أيضًا في إنصاف من تضرر، ومعالجة الاختلالات التي قد تنشأ، بما يضمن تحقيق العدالة، وطيّ الصفحات المؤلمة، وتوحيد الصف، حتى لا يتحول النكف من وسيلة إصلاح إلى سببٍ جديد للانقسام.
وفي هذا الإطار، فإن درء الفتن، ظاهرها وخفيّها، لا يتحقق إلا بحسن النوايا، وصدق المواقف، وإرادة مسؤولة تُترجم إلى وضوح وشفافية، تضع الحقيقة أمام الناس كما هي. فالمصارحة تُبني الثقة، والثقة هي المدخل الطبيعي للاستقرار.
أما في ظل واقعٍ تغيب فيه الدولة، وتحضر فيه سلطة الأمر الواقع، فإن مشروعية هذه السلطة تبقى رهينة بقدرتها على أداء وظائف الدولة، لا أن تكون بديلاً هشًّا عنها. إن مسؤوليتها اليوم مضاعفة: إدارة رشيدة، وإنصات حقيقي، وقدرة على الإقناع، وفتح أبواب المعالجة بدل توسيع دوائر الاحتقان.
لقد أُنهك الوطن بالصراعات، وتنازعته الأطراف حتى بات كيانًا مثخنًا بالجراح. ولن يلتئم هذا الجسد إلا بعودة العقل الوطني المغيّب، واستعادة الضمير الحي، وتغليب المصلحة العامة على ما سواها. فالوطن لا يحتمل مزيدًا من التمزق، ولا يقبل أن يكون ساحةً لتصفية الحسابات.
إن الدرس الذي تقدّمه تلك الحكاية البسيطة عميق الدلالة: حين تتقدّم القيم، تتراجع الخلافات، وحين تتوحد الإرادة، يصبح العبور ممكنًا. فلا منتصر في وطنٍ خاسر، ولا خلاص إلا بارتقاء الجميع إلى مستوى المسؤولية، والعمل المشترك لإطفاء الفتن.

- سفير وبرلماني سابق
-

شارك المقال: