خاص - النقار
هكذا، بعد سنوات من التضييق والملاحقات والاعتقالات التي طالت عاملين وموظفين في منظمات دولية ومكاتب أممية، وبعد سلسلة طويلة من الإجراءات التي جعلت كثيرا من المنظمات تقلص أنشطتها أو تغادر مناطق الشمال، قررت سلطة صنعاء الحوثي أن تقف في مكان الضحية، وأن تسأل المنظمات بكل براءة: لماذا تركتمونا وحدنا؟
جميلة حالة العشق هذه. فسلطة صنعاء اكتشفت أخيرا أن المنظمات كانت تؤدي دورا مفيدا في تغطية عورتها على الأقل، وبالتالي لا تملك إلا أن تطلق صوتها بالصراخ متباكية على هذا الهجران والحب من طرف واحد. وبلسان حال يقول: (ما افهمش من غيره عني ومن بدل من بعد ما كانت الجنة لنا الاثنين).
صحيح أن الاكتشاف جاء متأخرا بعض الشيء، تماما كتلك المسماة مراهقة متأخرة، لكنه جاء في بيان رسمي طويل عريض خرجت به وزارة الخارجية والمغتربين في حكومة صنعاء، اليوم، وطافت به وكالة سبأ العامرية في مختلف الصفحات والمواقع الإخبارية أن "ما تُسمّى بالمنظمات الإنسانية العاملة في اليمن تستجيب لضغوط النظام السعودي، وترفض إدخال الأدوية المنقذة للحياة وفي مقدمتها أدوية التخدير".
ليس ذلك فحسب، بل تحدث البيان عن "حالة تخادم قائمة بين النظام السعودي وبين تلك المنظمات"، بحيث أن حالة التخادم تلك "تفتح ملف المتاجرة بالملف الإنساني".
المتاجرة بالملف الإنساني، يا لها من عبارة صاخبة لا يليق بها إلا مصطلح صاخب مثلها كـ"التخادم"، والذي يبدو أن وزارة خارجية صنعاء جاءت به من مكتب احمد حامد.
فالمنظمات التي كانت، حتى وقت قريب، متهمة بكل ما يخطر على بال الخطاب التعبوي من تهم، أصبحت اليوم مطلوبة لإنقاذ القطاع الصحي. والموظفون الذين كان مجرد الاشتباه بهم في العمل مع منظمة دولية كافيا لجعلهم مادة للاتهام والتحقيق والاعتقال، صار غيابهم اليوم في سجون مخابرات صنعاء دليلا على "التخادم" مع السعودية.
المفارقة تصبح أكثر إثارة للضحك بخصوص القطاع الصحي. فبعد أن ظهرت أزمة اللقاحات وصار هناك حديث عن شح في أدوات التخدير، لم تبدأ السلطة بمراجعة سياساتها وتسأل: أين أخطأنا؟ وكيف وصلنا إلى هنا؟ وما الذي يمكن فعله لإنقاذ ما تبقى؟ بل كانت الطريقة الأسهل بالنسبة لها هي البحث عن متهم جاهز: المنظمات، ليتحول الفشل الإداري إلى مؤامرة، والعجز إلى حصار، وانهيار الخدمات إلى ضغط سعودي، وكلما ظهر نقص جديد في مستشفى أو مرفق صحي، اتسعت دائرة المؤامرة أكثر على سلطة هي نفسها عالة حتى على المتٱمرين عليها.
كيف للمنظمات أن تتآمر على نظام فاشل هو بنفسه عالة عليها؟ وكيف لنظام أن يستحي أو يخجل وهو يحمل كل فشله على المنظمات كما لو كانت هي المسؤولة عن إدارة المناطق التي يسيطر هو عليها؟ لكنه نظام سلطة صنعاء ولا حرج.