خاص-النقار
في اليوم الأول دخلوا المدينة، وفي اليوم الثاني ركزوا لوحاتهم الجبائية.
جماعة تعرف جيدا من أين تبدأ "إعادة تطبيع الحياة" في المدن الجديدة التي تصبح ضمن نطاق سيطرتها. لا تحتاج إلى وقت طويل لتسأل عن المستشفى، ولا إلى لجنة لمعرفة حال المدارس، ولا إلى مهندسين لمعرفة ما حل بشبكة المياه والكهرباء. كل هذه التفاصيل يمكن أن تنتظر قليلا. أما مكتب الزكاة، فلا يحتمل التأجيل.
فبعد يومين فقط من دخول حيس، المدينة البائسة على الساحل الغربي من محافظة الحديدة، ها هي أول بشائر الدولة الحوثية العظمى تصل بلا تأخير: فرع لهيئة الزكاة.
لكن لأن الجماعة كانت على عجلة من أمرها، فقد رُكِزت اللوحة فوق المبنى كيفما اتفق ولم تأخذ حقها من الاحتفاء. فقط صورة عابرة، واثنان من المجاهدين المؤمنين عاكفان على تثبيتها فوق باب المبنى مباشرة، واثنان آخران يحرسانهما حتى تبدو الصورة أكثر ثقة واطمئنانا. فلا أبو نشطان حاضر فيكون الافتتاح رسميا، ولا نصر الدين عامر موجود فيصادق على الصورة ويبعثها لوكالته على وجه السرعة كتدشين للخدمات التي وجه بها فخامة المشاط.
ومع ذلك فإنه إنجاز يستحق الإشادة بلا شك. خصوصا أن حيس وبقية المدن "المفتتحة" لم تأخذ وقتها الكافي بعد لتستوعب دخول سلطة الفاتحين الجدد، فإذا بها تستقبل، قبل أي خدمة أخرى، سلطة جباية من طراز رفيع.
فأنصار الله معروف عنهم أنهم يخشون أن يمكث المواطن يوما واحدا من دون أن يعرف لمن يدفع وكم يدفع وتحت أي بند يدفع. أما أن يمكث دهرا بلا خدمة أو راتب أو ماء أو كهرباء، فهذه أمور يمكن تدبرها بالصبر والصمود وحسن التوكل، وبعمامة العلامة مفتاح ومحاضراته الاقتصادية العظمى.
المهم ألا يبقى المواطن بلا جابي. فالجماعة، من شدة حرصها على سعادة المواطنين في الدنيا والآخرة، لا تريد أن تتركهم بلا مكتب زكاة؛ فيُحرمون الأجر والثواب، ويُحبس عنهم قطر السماء، وتُنزع البركة من جيوبهم، والأخطر من ذلك كله أن تبقى أموالهم في جيوبهم من دون أن تجد طريقها إلى الجيب الأوحد.
ولنتخيل منطقة تبيت ليلة واحدة بلا جبايات، لا شك أنها -والعياذ بالله- ستموت ميتة جاهلية. وهذا ما لا يمكن أن تقبل به الجماعة.
وهكذا فإن تحرير المدن في القاموس الحوثي لا يكتمل إلا بتحرير أموال أهلها من أيديهم.
ولا يستبعد أن تمتد هذه العناية الإلهية من حيس إلى الخوخة إلى المخا فحنيش الكبرى والصغرى وذو باب وميون، وأن تتسابق فرق هيئة الزكاة والضرائب والجمارك إلى المدن والمناطق الجديدة، حاملة معها اللوحات والأختام والدفاتر، لتعلن للسكان أن عهدا جديدا قد بدأ عنوانه الجبايات وسلخ الجلود.