• الساعة الآن 09:28 PM
  • 21℃ صنعاء, اليمن
  • 21℃ صنعاء, اليمن

واشنطن تستبدل الوجود العسكري في العراق بأدوات نفوذ مالية

واشنطن تستبدل الوجود العسكري في العراق بأدوات نفوذ مالية

 

مع اقتراب انسحاب القوات الأميركية من العراق بحلول 30 سبتمبر/أيلول 2026، لن يعني خروج الجنود الأميركيين نهاية نفوذ واشنطن في بغداد، بل انتقال العلاقة إلى مرحلة مختلفة، يصبح فيها النفوذ الاقتصادي والمالي والدبلوماسي والأمني أكثر أهمية من الوجود العسكري المباشر.

ويرى الكاتب جيمس دورسو في تقرير نشره موقع "أويل برايس"، أن الولايات المتحدة ستحتفظ بعد الانسحاب بمجموعة واسعة من أدوات التأثير، أبرزها النظام المالي القائم على الدولار، والعقوبات، ومبيعات الأسلحة، والتعاون الاستخباراتي، والاستثمار، والتكنولوجيا، والعلاقات الدبلوماسية، والوصول إلى الأسواق الغربية.
ويطرح ذلك سؤالاً أساسياً حول ما إذا كانت واشنطن ستستخدم هذه الأدوات للتأثير في قرارات بغداد أم لمحاولة الاستمرار في التحكم بها.

ويمثل النظام المالي الأميركي إحدى أبرز أوراق الضغط التي ستبقى في يد واشنطن. فإيرادات النفط العراقية مرتبطة بالنظام المالي العالمي القائم على الدولار، كما تعتمد المصارف العراقية على الوصول إلى التحويلات بالدولار والبنوك المراسلة الدولية.

وسبق أن اتخذت واشنطن إجراءات عام 2026 عندما فرضت قيوداً على شحنات الدولار النقدية إلى العراق، وسط مخاوف تتعلق بالفصائل المسلحة المدعومة من إيران والأنشطة المالية غير المشروعة.
وتم تخفيف القيود بعد اتخاذ بغداد خطوات مرتبطة بالرقابة المالية وإصلاح القطاع المصرفي ونزع سلاح الفصائل.

وتستطيع واشنطن مستقبلاً تقييد وصول المؤسسات العراقية إلى النظام المالي الدولي، وفرض عقوبات على مصارف وأفراد، والضغط لمنع غسل الأموال.

لكن التقرير يحذر من تحويل الدولار إلى أداة لإملاء الخيارات السياسية على بغداد، لأن الاستخدام المفرط لهذه الورقة قد يدفع العراق إلى البحث عن بدائل للنظام المالي الأميركي.

كما تمتلك واشنطن ورقة العقوبات التي يمكن استخدامها ضد أفراد ومؤسسات متهمة بغسل الأموال أو تمويل أنشطة خاضعة للعقوبات أو مساعدة جماعات مسلحة.

في المقابل، يمكن للولايات المتحدة استخدام الاستثمار والتكنولوجيا كأدوات نفوذ إيجابية. فالعراق يحتاج إلى الاستثمارات والتكنولوجيا الأميركية والغربية في قطاعات الطاقة والكهرباء والبنية التحتية والمصارف والنقل وغيرها، ما يتيح لواشنطن الحفاظ على حضور اقتصادي مؤثر من دون وجود عسكري دائم.

ويمكن أن يشكل ربط التعاون الأميركي بأداء المؤسسات العراقية صيغة جديدة للنفوذ؛ فتعزيز الرقابة المصرفية والسيطرة الحكومية على الجماعات المسلحة ومكافحة الالتفاف على العقوبات يمكن أن يقابله توسيع الاستثمار والتعاون الدفاعي والوصول إلى الأسواق المالية.

ولن ينتهي التعاون الأمني بخروج القوات الأميركية. إذ تستطيع واشنطن مواصلة التعاون الاستخباراتي ومكافحة الإرهاب وتقديم المساعدات الدفاعية وبيع الأسلحة، خصوصاً في مواجهة احتمال عودة تنظيم داعش.

كما تمنح مبيعات الأسلحة والتعاون العسكري الطويل الأمد الولايات المتحدة وسيلة للحفاظ على علاقة استراتيجية مع المؤسسة الأمنية العراقية، حتى من دون انتشار عسكري أميركي واسع.

وتبقى الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران من أكثر الملفات حساسية. وكثيراً منها لا يمثل مجرد جماعات مسلحة، بل يمتلك أحزاباً سياسية وتمثيلاً برلمانياً وشبكات اقتصادية واجتماعية، وبعضها جزء رسمي من المنظومة الأمنية العراقية.

لذلك فإن انتقال تدريجي تقوده بغداد نحو إخضاع جميع التشكيلات المسلحة للسلطة المدنية وسلسلة القيادة العسكرية، بدلاً من فرض نزع سلاح شامل وفوري قد يؤدي، إلى اضطرابات سياسية وأمنية، بحسب التقرير.

ولن تستطيع واشنطن عملياً مطالبة العراق بالاختيار الكامل بين الولايات المتحدة وإيران، نظراً إلى الجغرافيا والروابط الاقتصادية والسياسية والدينية بين العراق وإيران.

ويخلص الكاتب إلى أن الانسحاب العسكري سيجبر واشنطن على الانتقال من "السيطرة إلى النفوذ". فالولايات المتحدة ما زالت تمتلك أوراقاً قوية بما فيها الدولار، العقوبات، الأسلحة، الاستخبارات، الاستثمار والتكنولوجيا والنفوذ الدبلوماسي.

ولا يبدو الانسحاب نهاية للنفوذ الأميركي في العراق، بقدر ما يمثل تحولاً في أدواته، من وجود عسكري مباشر إلى مزيج من النفوذ المالي والاقتصادي والأمني والدبلوماسي، مع بقاء قدرة بغداد على المناورة بين واشنطن وطهران عاملاً أساسياً في تحديد شكل العلاقة المقبلة.

شارك الخبر: