تعيش إيران على وقع مظاهرات شعبية كبيرة بدأت في 28 ديسمير/كانون الأول 2025 عندما أعلن تجار "البازار" (الأسواق الشعبية الإيرانية) عن تنظيم حركة احتجاجية للتنديد بمستوى التضخم وتدني قيمة العملة المحلية، الريال، فضلا عن غلاء المعيشة. فيما انتقلت شرارة الاحتجاجات إلى الطلاب والمواطنين الإيرانيين الذين خرجوا بعشرات الآلاف في العديد من المدن، من بينها العاصمة طهران ومشهد... إلخ. ما أدى إلى سقوط ضحايا مدنيين ومن رجال الأمن.
إذا تمعنا قليلا في التاريخ الإيراني المعاصر، فسنرى بأنه حافل بالاحتجاجات والمظاهرات الشعبية التي تكررت مرات عديدة منذ الثورة الإسلامية ووصول الإمام الخميني إلى السلطة بعد سقوط نظام الشاه في 1979.
وإذا كان نظام "ولاية الفقيه" بأجهزته الأمنية وقواته العسكرية المتعددة قد تمكن في غالب الأحيان من إخماد نيران هذه الاحتجاجات، يبدو الموقف اليوم مختلفا وأكثر صعوبة لسببين: الأول هو المشاركة الكبيرة لعنصر الشباب، على غرار طلاب الجامعات والمدارس والنساء. و الثاني استخدام المتظاهرين لمواقع التواصل الاجتماعي لتنظيم حركاتهم الاحتجاجية وتوحيد صفوفهم. ما جعل النظام يقطع خدمة الإنترنت في البلاد ويلجأ إلى القوة لفرض الأمن.
1999: الطلاب الإيرانيون ينتفضون
في تموز/يوليو 1999 شهدت إيران حركة احتجاجية طلابية تخللتها أعمال عنف في طهران ومناطق أخرى، كانت الأوسع نطاقا منذ الثورة الإسلامية في العام 1979. ففي يوم 8 تموز/يوليو تجمع نحو مئة طالب في مهاجع جامعية في طهران احتجاجا على حظر صحيفة "سلام" الإصلاحية المقربة من الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي. بدأت حملة القمع ليلا، لكن في اليوم التالي اتسع نطاق التحرك الاحتجاجي إلى تبريز شمال-غرب البلاد وسط تزايد موجة العنف. في يوم 12 من الشهر نفسه وقعت صدامات بين متظاهرين وقوات الأمن التي تمكنت بتدخلها العنيف من وضع حد للاضطرابات.
أوقعت أعمال العنف ثلاثة قتلى وفق حصيلة رسمية وأصيب 200 شخص بجروح متفاوتة الخطورة. وفي أعقاب هذه الحادث، اختفى أكثر من 70 طالبا واعتقل نحو 1000 وفق منظمة هيومن رايتس ووتش.
2009: احتجاجات رافضة لولاية ثانية لأحمدي نجاد
في حزيران/يونيو 2009 ، أثار فوز المحافظ المتشدد محمود أحمدي نجاد بولاية رئاسية ثانية تحركات احتجاجية في طهران تم قمعها بعنف. في 13 حزيران/يونيو، أثار فوز نجاد غضب مناصري خصمه مير حسين موسوي الذين نددوا بعمليات تزوير ونظموا مظاهرات في طهران. في اليوم التالي اتسع نطاق الصدامات وأعمال الشغب ومنع صحافيون أجانب من العمل وطُلب من بعضهم مغادرة البلاد.
في نهاية المطاف أخمدت السلطات الحركة الاحتجاجية بحملة قمع عنيفة أسفرت عن عشرات القتلى (37 حسب السلطات الإيرانية و72 وفق مؤيدي حسين موسوي) إضافة إلى آلاف الموقوفين. فيما صدرت عشرات الأحكام القضائية المشددة بحق سياسيين ومفكرين معارضين. فيما لقبت هذه الاحتجاجات "بثورة تويتر" (إكس حاليا) بسبب اعتماد المتظاهرين على هذه المنصة في تنسيقاتهم الميدانية. وتجدر الإشارة إلى أن حسين موسوي لا يزال قيد الإقامة الجبرية في طهران رفقة زوجته.
2017 : مظاهرات "الجوع" وللتنديد بارتفاع الأسعار
في 28 كانون الأول/ديسمبر 2017، تظاهر مئات الأشخاص في مدينة مشهد، وهي ثاني أكبر مدن البلاد، وفي غيرها من المدن ضد الحكومة وضد ارتفاع الأسعار والبطالة. وأظهرت مقاطع فيديو نشرتها وسيلة إعلام إصلاحية محتجين ينتقدون الرئيس حسن روحاني وإيلاء الحكومة الاهتمام الأكبر للقضايا الإقليمية على حساب الشؤون الداخلية.
وعطلت السلطات تطبيقي تيلغرام وإنستاغرام للهواتف المحمولة متهمة مجموعات "معادية للثورة" في الخارج باستخدام هاتين الشبكتين للدعوة للتظاهر. وصولا إلى الأول من كانون الثاني/يناير 2018 شملت الاحتجاجات مدنا عدة. وقد هاجم متظاهرون مباني حكومية ومراكز دينية ومصارف وسيارات للشرطة، وأحرقوا بعضا منها. قتل خلال الحركة الاحتجاجية 25 شخصا على الأقل، غالبيتهم من المتظاهرين وتم توقيف المئات.
2019: زيادة أسعار الوقود تشعل الشارع الإيراني
في 15 تشرين الثاني/نوفمبر 2019 نظمت احتجاجات في مدن إيرانية عدة بعيد الإعلان عن زيادة كبيرة في أسعار الوقود والمواد الاستهلاكية جراء العقوبات الأمريكية المفروضة على الحكومة الإيرانية. وشهدت نحو مئة مدينة بينها طهران ومشهد وأصفهان، تحركات احتجاجية.
بحسب منظمة العفو الدولية، قتل أكثر من 300 شخص خلال 3 أيام في حملة القمع، لكن السلطات الإيرانية نفت ذلك. وبحسب المفوضية العليا لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة تم توقيف سبعة آلاف شخص على الأقل.
2021: مظاهرات الجفاف في منطقة خوزستان جنوب غرب إيران
في 15 تموز/يوليو 2021 شهدت مدن عدة في خوزستان جنوب-غرب إيران تظاهرات احتجاجا على انقطاع المياه بسبب الجفاف الذي كان يضرب المحافظة منذ نهاية آذار/مارس. وقتل ثلاثة أشخاص في المنطقة، فيما قتل شخص رابع في "أعمال شغب" في محافظة لرستان المجاورة، وفق وسائل إعلام رسمية.
في 19 تشرين الثاني/نوفمبر من العام نفسه تجمع آلاف الأشخاص في أصفهان احتجاجا على توقف جريان نهر رئيسي في المدينة التاريخية، يعزى جزئيا إلى الجفاف الذي يضرب مناطق عدة في الجمهورية الإسلامية منذ أشهر.
في 26 من نفس الشهر، سجلت صدامات بين الشرطة ومتظاهرين أحرقوا ممتلكات عامة خلال تحرك احتجاجي في إصفهان، وفق وكالتي "فارس" و"إسنا". وفي اليوم التالي أعلنت الشرطة توقيف نحو 70 شخصا.
"ثورة أيلول 2022" ومقتل الشابة مهسا أميني
أشعلت وفاة الشابة الكردية مهسا أميني (22 عاما) شرارة الاحتجاجات التي عمت العديد من المدن الإيرانية، لا سيما طهران التي شهدت مظاهرات شعبية عنيفة شاركت فيها جميع أطياف المجتمع، خاصة النساء، للمطالبة بالحرية والديمقراطية وبعدم إلزامية ارتداء الحجاب وبالعيش بكل حرية وليس وفق قواعد الشريعة الإسلامية المفروضة من قبل نظام علي خامنئي.
ووفق الحصيلة التي أقر بها الحرس الثوري الإيراني الذي قام بقمع الاحتجاجات، فلقد تم قتل أكثر من 300 متظاهر وسجن المئات. لكن منظمة حقوق الإنسان في إيران ومقرها أوسلو، تحدثت عن حصيلة مختلفة وقالت بأنها بلغت نحو 416 قتيلا. ولا يزال العدد الحقيقي لضحايا "ثورة أيلول 2022" الإيرانية غير معروف بشكل دقيق، شأنه شأن عدد الناشطين والمتظاهرين الذين يقبعون في سجون الجمهورية الإسلامية.
وصعد النظام الإيراني من حدة العنف. فيما برزت ظاهرة جديدة تتمثل في تعرض بعض الطالبات في الجامعات والثانويات إلى التسميم بالغاز. واتهمت المعارضة النظام الحاكم بالقيام بهذه الأفعال التي زرعت الخوف في قلوب البنات، لكن لم يتم التأكد من هوية الذين لجؤوا إلى مثل هذه التصرفات.
2025: احتجاجات تجار "البازار" تصعد الضغط على النظام الإيراني
في 28 ديسمبر/كانون الأول 2025، اندلعت في طهران مظاهرات في أوساط تجار "البازار" (الأسواق الشعبية الإيرانية) تنديدا بالأزمة الاقتصادية المتفاقمة وغلاء المعيشة. وسرعان ما تحولت إلى احتجاجات عارمة في مدن إيرانية متعددة ضد النظام عامة.
فيما دخلت هذه الاحتجاجات عام 2026 مع استمرارها واتساع رقعتها، إذ أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف المتظاهرين وقوات الأمن، إلى جانب حملات اعتقال واسعة وانقطاع خدمة الإنترنت.
تجار الأسواق هم من بدؤوا في التظاهر أولا بسبب ارتفاع مستوى التضخم وتدنى قيمة الريال الإيراني، لكن سرعان ما انتقلت العدوى إلى فئات اقتصادية واجتماعية أخرى، من بينها الشباب والطلبة. فيما دعا الرئيس بزشكيان قوات الأمن إلى عدم التعدي على المتظاهرين، مشيرا بأنه "يتفهم غضبهم".
وتُعد هذه الاحتجاجات الأوسع في إيران منذ مظاهرات العامين 2022 و2023 التي أعقبت وفاة مهسا أميني أثناء احتجازها عند شرطة الأخلاق على خلفية انتهاك قواعد اللباس الصارمة المفروضة على النساء.