• الساعة الآن 12:55 AM
  • 19℃ صنعاء, اليمن
  • 19℃ صنعاء, اليمن

المستكبرون المجهولون والصرخة التي تبتلع نصف الراتب

المستكبرون المجهولون والصرخة التي تبتلع نصف الراتب

خاص- النقار

تنتظر نصف راتبك، فيأتيك نصف رسالة نصية: "ادعم القوات البحرية اليمنية بمئة ريال".

تنتظر من قائد الجماعة إشارة ولو عابرة عن لقمة عيش تحصن بها جوعك، فيأتيك خطاب بأكمله عن "الصرخة في وجه المستكبرين تحصين للوضع الداخلي للأمة ومواجهة مساعي تدجينها وتوجيه ولائها لأعدائها".

تنتظر من هيئة مكافحة الفساد أن تكافح فاسداً واحداً، فإذا بها تكافح الملل بفعالية سنوية للصرخة.  

تنتظر من هيئة الزكاة أن تنتشل المتسولين من الأرصفة، فإذا بها تنتشل الميكروفونات لتصرخ هي الأخرى.  

تنتظر من وزارة الثقافة أن تحتفي بشاعر جائع، فإذا بها تحتفي بمسرحية "صرخة الأحرار".  

تنتظر من الطرق والجسور أن تردم حفرة، فإذا بها تردم الفراغ بخطاب عن الصرخة.  

تنتظر من السجون أن تفرغ من معتقليها، فإذا بها تملأ ساحتها بفعالية خطابية عن الصرخة.  

كل مؤسسة، كل وزارة، كل هيئة، كل ممر... الجميع بلا استثناء. كلها تحولت إلى بوق واحد يردد ذات الكلمة: "الصرخة".

وكأنها كلمة السر التي تعفي سلطة كاملة من مسؤولياتها، وتحوّل كل عجز لها إلى بطولة، وكل فشل إلى موقف ثوري.

ليس ذلك فحسب، بل يمكنك في أقل من ساعة أن تجد وكالة سبأ الرسمية تفيض بعناوين متشابهة:  
- "ذمار.. فعالية لفرع هيئة الأراضي بذكرى الصرخة"  
- "ريمة.. ندوة ثقافية بعنوان الصرخة سلاح وموقف"  
- "إب.. فعالية للمالية والضرائب والثقافة بالصرخة"  
- "همدان.. فعالية بالذكرى السنوية للصرخة ضد المستكبرين"  

حتى صارت الأخبار نسخة كربونية للصرخات، ولا فرق بين وزارة الثقافة وهيئة الزكاة، ولا بين الطرق والجسور ولا بين سجان وسجين.

تلك هي سلطة صنعاء.. سلطة الصرخة بامتياز. وبعبارة أخرى: تلك هي السلطة التي خُلقت لتصرخ لا لتتحمل المسؤولية حتى في صرف نصف راتب لشعبها العزيز.

أما "المستكبرون" الذي يُصرخ ضدهم، فربما ليسوا سوى ذلك الشعب نفسه، الذي ما زال ينتظر نصف راتب بلا ملامح وبلا صرخة.

شارك الخبر: