خاص-النقار
يصعد ليلقي خطابا هو التاسع والتسعون بعد المائة من الألف المليوني الأول، لا لشيء إلا ليهنئ شعبه العزيز بحلول شهر ذي الحجة ودخول أول العشر على اليمنيين وهم في الساحات يصرخون ويصرخون ويصرخون.
وفيما وكالة سبأ الرسمية مستنفرة منذ الصباح بمتابعة المسيرات في شتى الساحات والميادين، لم تنس أن تذكر اليمنيين بالخبر الرئيسي: "ترقبوا كلمة لقائد الثورة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي حول آخر التطورات والمستجدات عند الساعة الـ 7:30 من مساء اليوم".
تأتي الساعة الـ 7:30 تلك لتمتد الأعناق إلى ما سيقوله "السيد القائد"، حول آخر التطورات والمستجدات. ولا شك هنا أن أول تلك المستجدات والتطورات هي أن عيد الأضحى على الأبواب، فيما الأبواب مغلقة والناس أيديهم على جيوبهم بلا رواتب ولا معاشات. الجوع ينخر أفئدتهم، واللصوص يسرقون اللقمة من أفواههم، والحكومة تتنصل عن صرف نصف الراتب الذي وعدتهم به.
لكن لا شيء من ذلك يلفت نظر "السيد القائد"، فهو منشغل بإحراق المصحف من قبل أمريكي في ميتشغان، وبتقديم العزاء لحماس والإشادة بحزب الله وتجديد الموقف المساند لإيران.
وكعادته يبدأ الخطاب بعبارات "التحية والسلام"، ثم ينساب إلى بحرٍ من الكلمات التي لا يعرف لها اليمني ترجمة سوى أنها "تطورات ومستجدات".
وبعد أن يسرد لأكثر من ساعة كل تلك المستجدات والتطورات يدعو شعبه العزيز إلى المزيد من الخروج في الساحات وإعلان النفير والثبات وخوض الدورات وسماع المحاضرات، وكل ما هو آت آت.
وإذن هي مستجدات لا علاقة لها ببطون خاوية ولا بجيوب فارغة، بل ببطولات أسطورية في ميادين بعيدة، حيث توزع شهادات حسن السلوك على إيران وحزب الله، وتمنح حماس وسام الصمود، فيما المواطن هنا يمنح نفسه وسام الصبر على انقطاع الكهرباء والماء والراتب.
ولأن الخطاب لا يكتمل دون جرعة من "التحذير"، يرفع "السيد القائد" إصبعه محذراً من المؤامرات الكونية التي تحاك ضد اليمن، وكأن العالم كله ترك مشاكله وقرر أن يتآمر على موظف في صنعاء لا يجد قيمة مواصلات ليصل إلى عمله.
ثم تأتي اللحظة الذهبية: ندعو شعبنا العزيز إلى مواصلة المزيد من الخروج والهتاف في الساحات، حيث الهتاف هو العملة الوحيدة المتداولة، والصرخة هي الراتب الوحيد الذي لا ينقطع.
أما "الدورات الثقافية" فهي الحل السحري لكل الأزمات: دورة في الصبر، دورة في الجوع، دورة في كيفية تحويل الهواء إلى غذاء.
وفي النهاية، يجد اليمنيون أنفسهم أمام عبارة مألوفة: كل ما هو آت آت. عبارة تصلح أن تكون شعاراً لبيت فارغ أو لجيب بلا سيولة. آتٍ هو العيد، وآتٍ هو الجوع، وآتٍ هو الخطاب رقم مائتين من الألف المليوني الأول، حيث سيظل اليمنيون يمدون أعناقهم منتظرين خبراً لا يأتي وراتباً لا يصل وحياةً لا تُعاش. يذهب عيد ويأتي آخر، والحال على حالها: أول العشر معشر والعيد سلام تحية.