• الساعة الآن 09:36 PM
  • 23℃ صنعاء, اليمن
  • 23℃ صنعاء, اليمن

الثامن من مايو .. ملحمة الراتب الأخير

الثامن من مايو .. ملحمة الراتب الأخير

 

خاص-النقار

تسأل الذكاء الاصطناعي عن آخر مرة قامت جماعة أنصار الله (الحوثيين) عبر سلطتها وحكومتها في صنعاء بصرف نصف الراتب لموظفي دولتهم المجيدة، فيخبرك ببطء ناجم عن خطورة البحث في المحظور بأن "آخر مرة كانت في 8 مايو 2026، حيث أعلنت وزارتا المالية والخدمة المدنية بدء صرف نصف راتب شهر فبراير 2026 عبر البريد وكاك بنك". تشكره كثيرا لأنه كفاك عناء السؤال الذي لن تتجرأ على طرحه في العلن، حيث النسيان هو السبيل المقيم الذي يصل الموظف براتبه عبر معادلة رياضية بالغة الصعوبة والتعقيد: نصف راتب شهر فبراير في مايو. تستعين بأصابعك فتجد الفارق ثلاثة أشهر، ثم تكف عن الحساب لتسأل الذكاء الصناعي مرة أخرى: ثم ماذا. يجيبك على استحياء أكثر مما لو كنت قد سألت سلطة صنعاء وحكومتها: "بعد ذلك، تراجعت الجماعة عن وعودها بصرف نصف راتب شهر مارس، ما فاقم معاناة الموظفين وأدى إلى حالة غضب واسعة". بصرف النظر عن عبارة (حالة غصب واسعة) يبدو الأمر مغريا وأنت تستعيد المشهد بتفاصيله المهيبة في ذلك اليوم المشهود، الثامن من مايو، حين خرجت الحكومة بقضها وقضيضها لتزف البشرى الكبرى: صرف نصف راتب شهر فبراير. وزارة المالية والخدمة المدنية أقرتا الخبر، ووكالة سبأ أذاعته والبنك المركزي استعد للصرف مخرجا القناطير المقنطرة من خزائنه، تماما كما تخرج الأرض أثقالها ويقول الإنسان ما لها. وجه نصر الدين عامر يرتجف، وشال العلامة مفتاح يتأرجح، والمشاط يهم بإلقاء خطاب تاريخي، والموظفون يصطفون طوابير مطوبرة- على شاكلة قناطير مقنطرة- أمام مكاتب البريد وفروع "كاك بنك"، وكلا منهم يسأل الآخر من أي فئة أنت؟ يبادر أصحاب الفئة ب بكل ثقة وبصوت واحد: "نحن أصحاب نصف الراتب شهريا". أما أصحاب الفئة ج فيجيب عنهم صوت واحد قادم من مكان غير مرئي: "نحن فئة اللا راتب"، فيضحك الباقون حتى يذرفوا الدموع دما، ليعودوا أدراجهم خائبين. وإلى الآن ما زال ذلك اليوم المهيب حاضرا في الوجدان، حتى وإن نُسي تاريخه وغاب توقيته، يكفي أن الجرموزي تلى فيه بخشوع وهو يؤم الجمع: (فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة، والسابقون السابقون أولئك المقربون)، لينتهي الحدث وتطوى صفحة نصف الراتب إلى أجل غير مسمى.
 

شارك الخبر: