• الساعة الآن 11:22 PM
  • 22℃ صنعاء, اليمن
  • 22℃ صنعاء, اليمن

سلطة تُفقر ومدارس تُكمل المهمة.. كيف أصبح المعلم نهباً مستباحاً؟

سلطة تُفقر ومدارس تُكمل المهمة.. كيف أصبح المعلم نهباً مستباحاً؟

 

خاص - النقار
واحد وأربعون جزاءً بالتمام والكمال، تضمنتها لائحة جزاءات داخل إحدى المدارس الأهلية في العاصمة صنعاء. لائحة لا تشبه نظاما تربويا بقدر ما تشبه دفتر مقاول يستأجر عمالا من الحراج، ويحيل حتى أنفاسهم إلى بنود خصم.
المعلم الذي لم تكفّ سلطة المغول الجدد عن سلخ جلده وصلب كرامته على مشانق الجوع، تأتي المدارس الأهلية لتكمل المهمة بصلافة من يعرف كيف يستغل الحاجة ويستثمر القدر.
وأما السلطة فهي سلطة صنعاء التي هي أصلا من أوصل المعلم إلى هذه المهانة، بعدما حولته إلى موظف يعيش على الفتات، يبحث عن أي فرصة عمل مهما كانت شروطها مجحفة. وما إن وقع في قبضة الحاجة، حتى وجدت بعض المدارس الأهلية فيه فريسة سهلة، تستطيع أن تخصم من راتبه كما تشاء، وهي مطمئنة إلى أنه لن يجد مكانا آخر يذهب إليه.
مدارس تتكاثر كالطحالب في كل مكان، حتى صار يكفي أن يتحول بيت مكون من أربع غرف وحمامين ومطبخ وحوش صغير إلى مدرسة خاصة، تعلق على واجهته لوحة أكبر من المبنى نفسه، بينما تُعلّق في الداخل لوائح الجزاءات والخصومات.
لا يكفي أن يكون راتبك هزيلا، بل ينبغي أن تبقى مهددا كل يوم بأنك قد تخرج بخصم جديد: 
تأخرت عن الدوام؟ 500 ريال. لم تُشرف على الطابور الصباحي؟ 500 أخرى. تأخرت عن الحصة؟ خصم. استخدمت الهاتف أثناء الحصة؟ خصم. لم تُحضّر الدرس؟ خصم. لم تُصحح الدفاتر في نهاية الأسبوع؟ خصم. غادرت المدرسة دون إذن؟ خصم. أما إذا تجرأت على ما تسميه اللائحة "خيانة الأمانة"، فالعقوبة هي الفصل. والفصل هنا ليس الفصل الدراسي، بل الفصل الوظيفي. 
حتى اللغة تبدو هنا متواطئة بشكل صارخ، تماما كمصطلح "خيانة الأمانة" المنتفخ أكثر من اللازم والمتضخم حد السخرية، وكأننا أمام منشأة نووية، وليس أمام مدرسة أهلية قد تكون أكبر إنجازاتها أنها نجحت في تعليق لوحة على واجهة بيت سكني، ثم أقنعت الحي كله بأنه صار مؤسسة تعليمية حاصلة على شهادة الإيزو المفتاحية الجرموزية المشاطية.
كأن المعلم لم يعد أمام كشف راتب، بل أمام كشف حساب. السلطة تطرح منه الراتب، والمدرسة تطرح منه ما تبقى، ثم يقف أمام الطلاب ليشرح لهم عمليات الجمع، بينما حياته كلها لا تعرف سوى الطرح. ولو أضيف إلى المنهج درس بعنوان "القسمة"، فلن يجد ما يقسمه سوى كرامته بين مطرقة تلك السلطة وسندان تلك المدارس.
إنه الاستغلال في أبشع مزاياه وقد تحول إلى معادلة حسابية مريرة، حيث تصبح حياة المعلم سلسلة متواصلة من الطرح، أما الجمع فلا تعرفه سوى سلطة صنعاء ومدارسها الأهلية العظمى. معادلة مريرة تقول:
50 ألف ريال - خصومات لا تنتهي = سالب راتب.. صفر كرامة.

شارك الخبر: