خاص-النقار
منذ أكثر من أسبوعين تعيش العاصمة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة جماعة أنصار الله (الحوثيين) ذكرى مقتل رئيس أركان قواتها محمد عبد الكريم الغماري.
على امتداد ميدان السبعين تنبسط عشرات اللوحات واللافتات من مختلف الأحجام، وكلها تحمل الوجه ذاته: الغماري.
الأمر لا يقتصر على ميدان للسبعين فقط، بل في كل شبر وشارع من العاصمة صنعاء وبقية المحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة: الغماري، الغماري، الغماري، حتى تكاد تشعر أنه القتيل الوحيد للجماعة.
ربما أنها حملة المليون صورة وبميزانية لا شك أنها تصل إلى مئات الملايين كانت ستكفي لصرف نصف الراتب الجرموزي المنقطع منذ أشهر.
بطبيعة الحال، لا أحد يعرف كم كلفت هذه الحملة، ولا كم لوحة طُبعت وعُلقت، ولا كم متراً من القماش والحبر استهلكت. لكن الموظف الذي لا يجد راتبه يستطيع أن يتخيل بسهولة أن وجه الغماري قد حصل على موازنة مستقلة، وأن ميزانية الصور لا تخضع لشروط التقشف التي تُفرض على بطون الموظفين.
فالجماعة قادرة دائما على إيجاد ميزانية للتذكير بقتلاها خصوصا إذا كانوا من حجم الغماري، لكن تلك الميزانية تصبح منعدمة إن أريدَ لها تذكير الموظفين بأن لهم رواتب مستحقة.
فحين يتعلق الأمر بالراتب تعود الأزمة الاقتصادية إلى الظهور ويصبح الصرف مسألة تحتاج إلى دراسة وصبر وتضحيات وطنية، وأن يذهب الشعب للبحث عن المرتبات عند العدوان ودول العدوان، مع أنه لا عدوان أكبر مما تمارسه الجماعة في حق ذلك الشعب.
الغريب أن مقتل الغماري تزامن مع مقتل حكومة بأكملها رئيسا وأعضاء، لكن أولئك يكفيهم لوحة واحدة كأنها التقطت في ميدان التحرير لهم جميعا، وحشروا رأسا فوق آخر، من الرهوي إلى اليافعي، وإفراد كل المساحات للغماري.
بعبارة أخرى: هناك قتلى تكفيهم لوحة جماعية حتى لو كانوا رئيس وأعضاء حكومة، وهناك قتيل لا تتسع له الميادين ولا تستطيع اللافتات اختزال وجهه. وبالتالي لا بد من حضور بصري له يكون أكبر حتى من حضور الصباح نفسه.
حتى في الموت هناك تراتبية عرقية عند الجماعة. فالغماري من صعدة، وبالتالي قتيل صعدة لا يعادله قتيل، مثلما أن قات صعدة لا يعادله قات، ومثلما أن مسؤول صعدة لا يعادله مسؤول.
هذا ليس حملاً على الغماري بكل تأكيد، ولا على أصحاب صعدة، لكن إن كانت الجماعة قد استأثرت الامتيازات كلها لأصحابها الصعداويين في الحياة، فلتقم على الأقل بإلغاء تلك التراتبية في الموت بحيث يتساوى الغماري والمشاط مع الرهوي ومحمود الجنيد.