• الساعة الآن 08:52 PM
  • 23℃ صنعاء, اليمن
  • 23℃ صنعاء, اليمن

هندسة الاستعلاء السلالي.. قراءة في مناهج "المسيرة القرآنية" للمخيمات الصيفية

هندسة الاستعلاء السلالي.. قراءة في مناهج "المسيرة القرآنية" للمخيمات الصيفية

النقار - خاص

​وزعت جماعة أنصار الله "الحوثيين" هذا العام مناهجها الخاصة على مختلف المخيمات الصيفية التي دشنتها في الـ 28 من مارس 2026، بطباعة فاخرة؛ في مؤشر على أن أولويات الجماعة في الجانب التربوي والتعليمي تتمثل في المخيمات الصيفية، وليس في التعليم النظامي.

و​قسمت الجماعة مراحل التعليم في المخيمات الصيفية المفتوحة، والتي بات إعلامها الرسمي يطلق عليها مسمى "المدارس الصيفية"، إلى ثلاث مراحل:

​الأولى (التأهيلية): بمستويين، الأول يضم صغار السن الذين لم يسبق لهم الالتحاق بالمدارس النظامية، والثاني يضم طلاب المدارس النظامية من الصف الأول إلى الثالث الأساسي.

الثانية (الأساسي): مستواها الأول يضم طلاب المدارس النظامية من الرابع إلى الخامس، والمستوى الثاني يضم طلاب المدارس النظامية من السادس إلى السابع.

​الثالثة (المتوسطة): يضم مستواها الأول طلاب المدارس النظامية من الثامن إلى التاسع، والثاني مخصص لطلاب الثانوية.

​الكتب التي قامت الجماعة بتوزيعها لا تحمل ترويسة الجمهورية اليمنية أو وزارة التربية والتعليم، وإنما "المسيرة القرآنية"، ثم "الإدارة العامة للدورات الصيفية"، ما يكشف أن اللجنة العليا للدورات الصيفية التي يرأسها رئيس الوزراء، وعضوية وزيري التربية والتعليم والشباب والرياضة، مجرد واجهة ديكورية.

​وفي هذا السياق، قال لـ "النقار" مصدر في مكتب رئاسة الوزراء بصنعاء إن إدارة المخيمات الصيفية تدار بشكل كامل من قبل الجماعة، في حين أن اللجنة العليا للدورات الصيفية مجرد واجهة تبرر بها الجماعة سحب ملايين الريالات كميزانية سنوية لهذه المخيمات، كاشفاً أن الميزانية يتحملها صندوق رعاية النشء والشباب والرياضة التابع لوزارة الشباب والرياضة، في مخالفة صريحة لقانون إنشاء الصندوق.

​والمتتبع للمناهج التي تم توزيعها على مختلف مستويات المراحل الثلاث سيجد حجم التعبئة الأيديولوجية التي تستهدف بها الجماعة الطلاب، والتي تسعى من خلالها إلى خلق جيل يؤمن بأفكار التسليم والاصطفاء والطاعة العمياء، والقتال تحت شعار الجماعة، وتحويل الشباب إلى مجرد مقاتلين يحملون السلاح لتوطيد فكرة عنصرية يقوم عليها مشروع الجماعة.

وفي المرحلة التأهيلية، تكتفي الجماعة بجعل صغار السن يرددون "الصرخة" وقسم الولاية، إلى جانب تعليمهم أساسيات في القراءة والكتابة، لكن في المرحلتين الأساسية والمتوسطة تتجه الجماعة لغرس أفكارها تدريجياً في عقول الطلاب. 

ومن خلال اطلاع "النقار" على المناهج الخاصة بالمخيمات الصيفية، يتبين تركيز الجماعة على ترسيخ افكار  "الاصطفاء والتسليم" وغرس مبدأ الولاية، مستندة إلى محاضرات مؤسس الجماعة حسين الحوثي.

​وفي هذا السياق، تسعى مناهج المرحلة المتوسطة تحديدا للتأكيد على أن الله اصطفى أهل البيت جملة، دون تمييز بين أفضلهم وأسوئهم، وأن الله هو المتكفل بالاختيار والاصطفاء، ما يكشف خطر التعبئة التي تسعى من خلالها الجماعة إلى تحويل الفرد منذ نشأته إلى مجرد "قن" خُلق لخدمة سلالة معينة. 

كما أن هذه التعبئة تسعى لإسقاط المساءلة بحجة الاصطفاء، وتغرس الاستعلاء الاجتماعي باعتباره تكليفاً إلهياً، ما يكشف عن حجم "الكهنوت الديني المركب" الذي تسعى من خلالها الجماعة إلى ضرب مبادئ الحقوق والحريات لدى الجيل القادم.

​وفي موضوع آخر، تؤكد المناهج التي تُدرس على أفضلية أهل البيت النبوي، وأن هذه الأفضلية مرتبطة بمكرمة إلهية منحتهم قدرات ذاتية ومؤهلات علمية دون غيرهم من البشر، ما يشكل محاولة لضرب مفاهيم المواطنة المتساوية والعدالة لدى أجيال المستقبل، التي يراد لها أن تؤمن بأن الأفضلية والاصطفاء مسلمات، وأن سلالة من البشر خُلقوا حكّاماً، وما سواهم خُلقوا لخدمتهم. 

​والأخطر من ذلك أن المناهج تبرر الاصطفاء والتفضيل لسلالة أهل البيت من كونها اصطفيت لمصلحة غيرها؛ لأنها المكلفة إلهيا بقيادتهم وخدمتهم وتعليمهم وتزكية نفوسهم، ما يعني أن الجماعة تسعى لأن تغرس في عقول النشء والشباب بأن القيادة والوصول إلى أعلى مراتب العلم يظل حكراً على سلالة محددة، وأن ما دونها مكلفون بالجهاد تحت قيادتها.

​وتتجه الجماعة من خلال مناهج المخيمات الصيفية إلى جعل "الولاية" إحدى المسلمات التي لا تقبل أي جدال، وتوظف لأجل ذلك آيات قرآنية ومرويات من الموروث الطائفي للجماعة. 

وفي هذا السياق، تؤكد المناهج أن تولي الإمام علي شرط أساسي في تحقق الغلبة والهداية، وهي بذلك تهدف إلى ضرب مبدأ التعدد السياسي والفكري، واستهداف الديمقراطية والانتخابات، من خلال غرس مبدأ الولاية في أذهان النشء والشباب، ما يمكن هذه السلالة من البقاء في الحكم باعتبار أن ذلك جاء بأمر إلهي.

​وفي هذا الجانب، قال لـ "النقار" مصدر تربوي مطلع إن لدى الجماعة توجهاً لجعل المخيمات الصيفية إلزامية، باعتبار أنها فصل دراسي ثالث يقتضي حضوره الانتقال إلى الفصل التالي، مشيراً إلى أن الجماعة ما تزال تدرس هذا المقترح الذي يدفع باتجاهه عدد من منظري الجماعة، من بينهم عبد السلام المتميز، وأحمد السراجي، وخالد القروطي، وغيرهم.

​وفي سياق ذي صلة، أفاد "النقار" مصدر في مكتب التربية والتعليم بأمانة العاصمة صنعاء أن المدارس التي تقام فيها المخيمات الصيفية لا تُسمى باسمها، وإنما تُسمى بأسماء مختلفة تحمل أبعاداً أيديولوجية، كمدرسة "الهادي"، و"الحسين"، و"فاطمة"، وغيرها، وترفع بذلك لافتات داخل تلك المدارس، معتبراً أن ذلك توجه مستقبلي لتغيير شامل لمسميات المدارس.

​وبناءً على ما سبق نخلص إلى أن:

- ​تمويل هذه المخيمات الأيديولوجية من أموال صندوق رعاية النشء والشباب والرياضة مؤشر على أن المال العام لم يعد لتوفير خدمات عامة، بل أصبح مسخراً لتمويل مشاريع أيديولوجية خاصة.

- ​تهدف الجماعة من خلال هذه المخيمات إلى "مأسسة الولاء" منذ الصغر، في مسعى لإغلاق باب التفكير النقدي أو التفكير بالتعددية.

- ​كما تهدف لترسيخ مفاهيم "الاصطفاء الإلهي" في مسعى لجعل القيادة والسيادة حقاً حصرياً لسلالة معينة (أهل البيت)، عبر عملية "هندسة اجتماعية" منظمة تهدف إلى مأسسة الاستعلاء السلالي وتكريس التبعية كقيمة دينية. 

- ​تسعى الجماعة نحو تغيير هوية الدولة من "دولة مواطنة متساوية" إلى "نظام طبقي سلالي"، يلغي المساءلة، ويجعل الولاء للجماعة فوق الولاء للوطن.

- ​تغيير أسماء المدارس أثناء المخيمات يحمل دلالة رمزية قوية؛ تهدف إلى إحلال الرمز الطائفي محل الرمز الوطني أو التاريخي. 

 

صور من مناهج المراكز الصيفية:

شارك الخبر: