شهدت عدة دول أوروبية موجة احتجاجات شبابية واسعة خلال عطلة نهاية الأسبوع، امتدت من فرنسا وألمانيا إلى سويسرا تخللها أعمال عنف، على خلفية مطالب تتعلق بارتفاع تكاليف المعيشة وأزمة السكن وتراجع الخدمات العامة، إلى جانب رفض التجنيد العسكري الإلزامي في ألمانيا.
واتسمت غالبية المسيرات في فرنسا بالطابع السلمي، بينما تحولت تجمعات في مدن ألمانية وسويسرية إلى مواجهات مع الشرطة وأعمال تخريب ونهب.
وخرجت تظاهرات شبابية في 34 مدينة ألمانية، بينها برلين وفرانكفورت وميونيخ وهامبورغ وكولونيا، بدعوة من مجموعة "جيل زد يتولى الأمر".
وركزت الحركة على رفض العودة إلى التجنيد العسكري الإلزامي، والمطالبة بزيادة الاستثمارات في التعليم والصحة وحماية المناخ، إلى جانب توفير ظروف معيشية أكثر ملاءمة للشباب، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة على تحمل نفقات السكن.
وقال منظمو الاحتجاجات إنهم يريدون توجيه الإنفاق العام نحو الخدمات الاجتماعية والتعليم بدلاً من تحميل الشباب أعباء إضافية مرتبطة بالإنفاق العسكري. كما انتقد مشاركون تدهور البنية التحتية للمدارس والجامعات ونقص المدرسين، معتبرين أن الحكومة لا تستجيب بصورة كافية لمطالبهم.
وتخللت الاحتجاجات أعمال عنف في بعض المناطق، خصوصاً في فرانكفورت، حيث اقتحمت مجموعات متاجر وسرقت محتوياتها، كما تعرضت واجهات محال للتكسير، وأُلقيت قنابل حارقة على قوات الأمن. وأعلنت الشرطة استعادة أسلحة سُرقت من متجر لبيع الأسلحة بعد اقتحامه.
وفي هامبورغ، أُحرقت حواجز أقامها محتجون، بينما تدخلت الشرطة في كولونيا لإنهاء مسيرة بعد استخدام ألعاب نارية ورشق عناصرها بالحجارة، ولجأت إلى خراطيم المياه لتفريق التجمعات.
وتوعدت السلطات الألمانية بفرض عقوبات صارمة على المتورطين في أعمال النهب والشغب التي شهدتها مدينة فرانكفورت، مساء السبت، وأسفرت عن إلحاق أضرار بنحو 17 متجرا وإصابة أكثر من 100 شرطي.
وقال وزير داخلية ولاية هيسن، رومان بوزيك، اليوم الأحد، إن مجموعات من مثيري الشغب الملثمين استغلت الاحتجاجات لارتكاب أعمال عنف وتخريب، مشيرا إلى أن خمسة متاجر تعرضت للنهب، فيما نشرت الشرطة نحو 1300 عنصر لاحتواء الاضطرابات.
وأضاف أن الشرطة أوقفت 54 شخصا تتراوح أعمارهم بين 13 و29 عاما، مؤكدا أن ما بين ألف و1500 شخص شاركوا في أعمال العنف، وفق تقديرات الأجهزة الأمنية. وأعرب عن صدمته إزاء حجم التخريب، مشددا على ضرورة وضع حد لهذه الممارسات.
من جانبه، أكد وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبرينت أن السلطات ستعمل على تحديد هويات المتورطين في أعمال النهب والتخريب ومحاسبتهم، مشددا على أن هذه الأحداث ستعقبها عقوبات صارمة.
واتهم دوبرينت جماعات يسارية عنيفة وأشخاصا من أوساط المهاجرين بتحويل احتجاجات وصفها بالسلمية في بدايتها إلى أعمال شغب، فيما أشاد باستراتيجية الشرطة التي اعتمدت على انتشار واسع وتوزيع القوات على مواقع متعددة، معتبرا أنها ساهمت في منع اتساع نطاق العنف.
وامتدت التحركات إلى سويسرا، حيث شهدت مدينتا زيوريخ وبازل مساء السبت احتجاجات غير مرخصة شارك فيها مئات الأشخاص، تحت شعار "لقد سئمنا.. في سويسرا أيضاً"، في إشارة إلى حركة الاحتجاجات الشبابية في فرنسا ودول أوروبية أخرى.
وتحولت التجمعات إلى مواجهات بعدما أقام محتجون حواجز من حاويات النفايات والدراجات الكهربائية وأضرموا النيران فيها، كما أُحرقت سيارة وتعرضت واجهات متاجر وأحد مواقف الحافلات للتخريب.
وقالت الشرطة إن عناصرها تعرضوا للرشق بالألعاب النارية والزجاجات والحجارة، وردوا باستخدام خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي، واستمرت المواجهات حتى نحو الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل. كما أوقفت الشرطة شابين كانا يحملان أسلحة ومواد لإخفاء الوجه، وفق السلطات المحلية.
وجاءت هذه التحركات بالتزامن مع احتفالات ليلة "هالوين"، ضمن موجة احتجاجات شبابية تشهدها أوروبا منذ أسابيع، تقودها مجموعات من جيل "زد"، وتعبّر عن استياء متزايد من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وما تعتبره تجاهلاً حكومياً لمطالب الأجيال الشابة.
وفي فرنسا، خرج مئات الآلاف إلى الشوارع السبت، في ثالث عطلة نهاية أسبوع متتالية من الاحتجاجات ضد ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة، بعدما بدأت الحركة بمطالب طلابية تتعلق بتدهور أوضاع المدارس ونقص المدرسين وعدم تكافؤ فرص الالتحاق بالجامعات.
وشهدت المسيرات مشاركة طلاب المدارس والجامعات ونقابات عمالية وناشطين بيئيين ومجموعات من حركة "السترات الصفراء"، وسط مطالب بتحسين الأوضاع المعيشية، ومواجهة ارتفاع أسعار الوقود والتضخم، وزيادة الإنفاق على التعليم والخدمات الاجتماعية.
ورغم الطابع السلمي لغالبية التحركات، اندلعت مواجهات في باريس ومدن أخرى خلال تفريق التجمعات، وأطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع واستخدمت القنابل الصوتية، بعد تعرض عناصرها للرشق بالحجارة والألعاب النارية وإلقاء قنابل حارقة.
وأعلنت السلطات إصابة خمسة من عناصر الأمن في باريس، ثلاثة منهم جراء قنابل حارقة، فيما تجاوز عدد الموقوفين على المستوى الوطني 560 شخصاً. وكانت الحكومة قد نشرت نحو 70 ألف شرطي ودركي لتأمين الاحتجاجات، وفرضت قيوداً ليلية على الحركة في بعض مناطق العاصمة، بينها محيط ساحة الجمهورية وشاتليه ولي هال.
وتضع هذه الاحتجاجات الحكومات الأوروبية أمام تحديات تتجاوز التعامل الأمني مع التجمعات، إذ ترتبط جذورها بمطالب اقتصادية واجتماعية تتعلق بمستقبل الأجيال الشابة، وقدرتها على الحصول على تعليم جيد وسكن مناسب وفرص عمل مستقرة، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الموازنات العامة والخدمات الاجتماعية.